الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ذَلِكَ الْكِتَابُ "
) . قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ : تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ الْكِتَابُ : هَذَا الْكِتَابُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 247 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ذَلِكَ الْكِتَابُ قَالَ : هُوَ هَذَا الْكِتَابُ .
قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : ذَلِكَ الْكِتَابُ : هَذَا الْكِتَابُ . قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذَلِكَ الْكِتَابُ : هَذَا الْكِتَابُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى هَذَا ؟ وَ هَذَا لَا شَكَّ إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مُعَايَنٍ ، وَ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ وَلَا مُعَايَنٍ ؟ قِيلَ : جَازَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا تَقَضَّى ، بِقُرْبِ تَقَضِّيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ ، فَهُوَ - وَإِنْ صَارَ بِمَعْنَى غَيْرِ الْحَاضِرِ - فَكَالْحَاضِرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ .
وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ الْحَدِيثَ فَيَقُولُ السَّامِعُ : إِنَّ ذَلِكَ وَاللَّهِ لَكُمَا قُلْتَ ، وَ هَذَا وَاللَّهِ كَمَا قُلْتَ ، وَ هُوَ وَاللَّهِ كَمَا ذَكَرْتَ ، فَيُخْبِرُ عَنْهُ مَرَّةً بِمَعْنَى الْغَائِبَ ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَضَّى وَمَضَى ، وَمَرَّةً بِمَعْنَى الْحَاضِرِ ، لِقُرْبِ جَوَابِهِ مِنْ كَلَامِ مُخْبِرِهِ ، كَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْقَضٍ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ لَمَّا قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْكِتَابُ الم ، الَّتِي ذَكَرْنَا تَصَرُّفَهَا فِي وُجُوهِهَا مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَا وَصَفْنَا ، قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ لَكَ ، الْكِتَابُ . وَلِذَلِكَ حَسُنَ وَضْعُ ذَلِكَ فِي مَكَانِ هَذَا ، لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إِلَى الْخَبَرِ عَمَّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ الم مِنَ الْمَعَانِي ، بَعْدَ تَقَضِّي الْخَبَرِ عَنْهُ بِ الم ، فَصَارَ لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مَنْ تَقَضِّيهِ ، كَالْحَاضِرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ ، فَأَخْبَرَ بِهِ بِ ذَلِكَ لِانْقِضَائِهِ ، وَمَصِيرُ الْخَبَرِ عَنْهُ كَالْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَتَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ : أَنَّهُ بِمَعْنَى هَذَا ، لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مِنِ انْقِضَائِهِ ، فَكَانَ كَالْمُشَاهَدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِ هَذَا ، نَحْوَ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الْكَلَامِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ ﴾هَذَا ذِكْرٌ سُورَةُ ص : 48 ، 49 فَهَذَا مَا فِي ذَلِكَ إِذَا عَنَى بِهَا هَذَا .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ السُّوَرُ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، اعْلَمْ أَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ سُوَرُ الْكِتَابِ الَّتِي قَدْ أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكَ ، هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ . ثُمَّ تَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هَذَا الْكِتَابُ ، إِذْ كَانَتْ تِلْكَ السُّوَرُ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، مِنْ جُمْلَةِ جَمِيعِ كِتَابِنَا هَذَا ، الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِمَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِي قَوْلِهِمُ الَّذِي قَالُوهُ فِي ذَلِكَ .
وَقَدْ وَجَّهَ مَعْنَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ، إِلَى نَظِيرِ مَعْنَى بَيْتِ خُفَافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَّمِيِّ : فَإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا فَعَمْدًا عَلَى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا أَقُولُ لَهُ ، وَالرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ : تَأَمَّلْ خُفَافًا ، إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا كَأَنَّهُ أَرَادَ : تَأَمَّلْنِي أَنَا ذَلِكَ . فَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابُ بِمَعْنَى هَذَا ، نَظِيرُهُ . أَظْهَرُ خِفَافٌ مِنِ اسْمِهِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَهُوَ مُخْبِرٌ عَنْ نَفْسِهِ .
فَكَذَلِكَ أَظْهَرَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكِتَابِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَلِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : ( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، يَعْنِي بِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَإِذَا وُجِّهَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَلَا مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَى مُتَأَوِّلِهِ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حِينَئِذٍ إِخْبَارًا عَنْ غَائِبٍ عَلَى صِحَّةٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : لا رَيْبَ فِيهِ . وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : لا رَيْبَ فِيهِ لَا شَكَّ فِيهِ . كَمَا : - 251 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : لا رَيْبَ فِيهِ قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ .
258 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : قَوْلُهُ لا رَيْبَ فِيهِ ، يَقُولُ : لَا شَكَّ فِيهِ . وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : رَابَنِي الشَّيْءُ يَرِيبُنِي رَيْبًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ الْهُذَلِيِّ : فَقَالُوا : تَرَكْنَا الْحَيَّ قَدْ حَصِرُوا بِهِ ، فَلَا رَيْبَ أَنْ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ وَيُرْوَى : حَصَرُوا وَ حَصِرُوا وَالْفَتْحُ أَكْثَرُ ، وَالْكَسْرُ جَائِزٌ .
يَعْنِي بِقَوْلِهِ حَصَرُوا بِهِ : أَطَافُوا بِهِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ لَا رَيْبَ . لَا شَكَّ فِيهِ .
وَبِقَوْلِهِ أَنَّ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ ، يَعْنِي قَتِيلًا يُقَالُ : قَدْ لُحِمَ ، إِذَا قُتِلَ . وَالْهَاءُ الَّتِي فِي فِيهِ عَائِدَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( هُدًى ) 259 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، هُدًى قَالَ : هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ .
260 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، يَقُولُ : نُورٌ لِلْمُتَّقِينَ . وَالْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ : هَدَيْتُ فُلَانًا الطَّرِيقَ - إِذَا أَرْشَدْتَهُ إِلَيْهِ ، وَدَلَلَتْهُ عَلَيْهِ ، وَبَيَّنْتَهُ لَهُ - أَهْدِيهِ هُدًى وَهِدَايَةً . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَ مَا كِتَابُ اللَّهِ نُورًا إِلَّا لِلْمُتَّقِينَ ، وَلَا رَشَادًا إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ : ذَلِكَ كَمَا وَصَفَهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ .
وَلَوْ كَانَ نُورًا لِغَيْرِ الْمُتَّقِينَ ، وَرَشَادًا لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ ، لَمْ يَخْصُصِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُ لَهُمْ هُدًى ، بَلْ كَانَ يَعُمُّ بِهِ جَمِيعَ الْمُنْذَرِينَ . وَلَكِنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوَقْرٌ فِي آذَانِ الْمُكَذِّبِينَ ، وَعَمًى لِأَبْصَارِ الْجَاحِدِينَ ، وَحُجَّةٌ لِلَّهِ بَالِغَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ . فَالْمُؤْمِنُ بِهِ مُهْتَدٍ ، وَالْكَافِرُ بِهِ مَحْجُوجٌ .
وَقَوْلُهُ هُدًى يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا مِنَ الْمَعَانِي : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ نَصْبًا ، لِمَعْنَى الْقَطْعِ مِنَ الْكِتَابِ ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وَالْكِتَابُ مَعْرِفَةٌ . فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ حِينَئِذٍ : الم ذَلِكَ الْكِتَابُ هَادِيًا لِلْمُتَّقِينَ . وَ ذَلِكَ مَرْفُوعٌ بِ الم ، وَ الم بِهِ ، وَالْكِتَابُ نَعَتٌ لِ ذَلِكَ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا ، عَلَى الْقَطْعِ مِنْ رَاجِعِ ذِكْرِ الْكِتَابِ الَّذِي فِي فِيهِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ : الم الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ هَادِيًا . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا نَصْبًا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، أَعْنِي عَلَى وَجْهَ الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي فِيهِ ، وَمِنْ الْكِتَابِ ، عَلَى أَنْ الم كَلَامٌ تَامٌّ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَاهُ : أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ الْكِتَابُ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا ، فَيُرْفَعُ حِينَئِذٍ الْكِتَابُ بِ ذَلِكَ ، وَ ذَلِكَ بِ الْكِتَابُ ، وَيَكُونُ هُدًى قَطْعًا مِنْ الْكِتَابِ ، وَعَلَى أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ بِالْهَاءِ الْعَائِدَةِ عَلَيْهِ الَّتِي فِي فِيهِ ، وَ الْكِتَابُ نَعْتٌ لَهُ; وَالْهُدَى قَطْعٌ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي فِيهِ .
وَإِنْ جُعِلَ الْهُدَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْكِتَابُ إِلَّا خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا ، وَ الم كَلَامًا تَامًّا مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ ، إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَنْ يُرْفَعَ حِينَئِذٍ هُدًى بِمَعْنَى الْمَدْحِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : الم ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ٢ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ سُورَةُ لُقْمَانَ : 1 - 3 فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ رَحْمَةٌ . بِالرَّفْعِ ، عَلَى الْمَدْحِ لِلْآيَاتِ . وَالرَّفْعُ فِي هُدًى حِينَئِذٍ يَجُوزُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مَدْحٌ مُسْتَأْنَفٌ .
وَالْآخَرُ : عَلَى أَنْ يُجْعَلَ مُرَافِعَ ذَلِكَ ، وَ الْكِتَابُ نَعْتٌ لِذَلِكَ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُجْعَلَ تَابِعًا لِمَوْضِعِ لا رَيْبَ فِيهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْكِتَابُ مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ فِي فِيهِ . فَيَكُونُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 92 .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ، أَنَّ الم مُرَافِعُ ذَلِكَ الْكِتَابُ بِمَعْنَى : هَذِهِ الْحُرُوفُ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ ، ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ أَنْ أُوحِيهِ إِلَيْكَ . ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَسْرَعَ نَقْضَهُ ، وَهَدَمَ مَا بَنَى فَأَسْرَعَ هَدْمَهُ ، فَزَعَمَ أَنَّ الرَّفْعَ فِي هُدًى مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَالنَّصْبَ مِنْ وَجْهَيْنِ . وَأَنَّ أَحَدَ وَجْهَيِ الرَّفْعِ : أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ نَعْتًا لِ ذَلِكَ وَ الْهُدَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرٌ لِ ذَلِكَ .
كَأَنَّكَ قُلْتَ : ذَلِكَ هُدًى لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ : وَإِنْ جَعَلْتَ لا رَيْبَ فِيهِ خَبَّرَهُ ، رَفَعْتَ أَيْضًا هُدًى ، بِجَعْلِهِ تَابِعًا لِمَوْضِعِ لا رَيْبَ فِيهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَهَذَا كِتَابٌ هُدًى مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : وَأَمَّا أَحَدُ وَجْهَيِ النَّصْبِ فَأَنْ تَجْعَلَ الْكِتَابَ خَبَرًا لِ ذَلِكَ ، وَتَنْصِبَ هُدًى عَلَى الْقَطْعِ ، لِأَنَّ هُدًى نَكِرَةٌ اتَّصَلَتْ بِمَعْرِفَةٍ ، وَقَدْ تَمَّ خَبَرُهَا فَنَصَبْتَهَا لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَةٍ .
وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ هُدًى عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي فِيهِ كَأَنَّكَ قُلْتَ : لَا شَكَّ فِيهِ هَادِيًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَرْكُ الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلَهُ فِي الم وَأَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ بِ ذَلِكَ الْكِتَابُ ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ . وَاللَّازِمُ كَانَ لَهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلَهُ ، أَنْ لَا يُجِيزَ الرَّفْعَ فِي هُدًى بِحَالٍ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ مِنْ قِبْلِ الِاسْتِئْنَافِ ، إِذْ كَانَ مَدْحًا .
فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ لِذَلِكَ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِتْبَاعِ لِمَوْضِعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ، فَكَانَ اللَّازِمُ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً . وَذَلِكَ أَنْ الم إِذَا رَافَعَتْ ذَلِكَ الْكِتَابُ ، فَلَا شَكَّ أَنْ هُدًى غَيْرُ جَائِزٍ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِذَلِكَ ، بِمَعْنَى الْمُرَافِعِ لَهُ ، أَوْ تَابِعًا لِمَوْضِعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ، لِأَنَّ مَوْضِعَهُ حِينَئِذٍ نَصْبٌ ، لِتَمَامِ الْخَبَرِ قَبْلَهُ ، وَانْقِطَاعِهِ - بِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ - عَنْهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) 261 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَوْلُهُ : لِلْمُتَّقِينَ قَالَ : اتَّقَوْا مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ، وَأَدَّوْا مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ .
فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى الْأَعْمَشِ ، فَقَالَ : نُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ . وَلَمْ يُنْكِرْهُ .
265 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ أَبُو حَفْصٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ : هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، هُمْ مَنْ نَعَتَهُمْ وَوَصَفَهُمْ فَأَثْبَتَ صِفَتَهُمْ ، فَقَالَ : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾. 266 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لِلْمُتَّقِينَ قَالَ : الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِي ، وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، تَأْوِيلُ مَنْ وَصَفَ الْقَوْمَ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي رُكُوبِ مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبِهِ ، فَتَجَنَّبُوا مَعَاصِيَهُ ، وَاتَّقَوْهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ ، فَأَطَاعُوهُ بِأَدَائِهَا .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَهُمْ بِالتَّقْوَى ، فَلَمْ يَحْصُرْ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ عَلَى بَعْضِ مَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ مِنْهُمْ دُونَ بَعْضٍ . فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَحْصُرَ مَعْنَى ذَلِكَ ، عَلَى وَصْفِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دُونَ شَيْءٍ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْقَوْمِ - لَوْ كَانَ مَحْصُورًا عَلَى خَاصٍّ مِنْ مَعَانِي التَّقْوَى دُونَ الْعَامِّ مِنْهَا - لَمْ يَدَعِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيَانَ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ : إِمَّا فِي كِتَابِهِ ، وَإِمَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْلِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ وَصْفِهِمْ بِعُمُومِ التَّقْوَى .
فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ : الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَبَرِئُوا مِنَ النِّفَاقِ . لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ ، وَهُوَ فَاسِقٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ أَنَّ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ - عِنْدِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلُ - مَعْنَى النِّفَاقِ : رُكُوبُ الْفَوَاحِشِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَتَضْيِيعُ فَرَائِضِهِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِ . فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ كَانَتْ تُسَمِّي مَنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُنَافِقًا .
فَيَكُونُ - وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي تَسْمِيَتِهِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ بِهَذَا الِاسْمِ - مُصِيبًا تَأْوِيلَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُتَّقِينَ .