الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّيِّبُ الْفَيْعِلُ مِنْ قَوْلِكَ : صَابَ الْمَطَرُ يَصُوبُ صَوْبًا ، إِذَا انْحَدَرَ وَنَزَلَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَسْتَ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لَمَلْأَكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ وَكَمَا قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ : كَأَنَّهُمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ فَلَا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّرٍ ، سُقِيتِ رَوَايَا الْمُزْنِ حِينَ تَصُوبُ يَعْنِي : حِينَ تَنْحَدِرُ . وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صَيْوِبٌ وَلَكِنَّ الْوَاوَ لَمَّا سَبَقَتْهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ، صُيِّرَتَا جَمِيعًا يَاءً مُشَدَّدَةً ، كَمَا قِيلَ : سَيِّدٌ ، مِنْ سَادَ يَسُودُ ، وَجَيِّدٌ ، مَنْ جَادَ يَجُودُ . وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِالْوَاوِ إِذَا كَانَتْ مُتَحَرِّكَةً وَقَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ، تُصَيِّرُهُمَا جَمِيعًا يَاءً مُشَدَّدَةً .
وَبِمَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 405 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ قَالَ : الْقَطْرُ . 406 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ ، قَالَ لِي عَطَاءٌ : الصَّيِّبُ ، الْمَطَرُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : مَثَلُ اسْتِضَاءَةِ الْمُنَافِقِينَ بِضَوْءِ إِقْرَارِهِمْ بِالْإِسْلَامِ مَعَ اسْتِسْرَارِهِمُ الْكُفْرَ مَثَلُ إِضَاءَةِ مُوقِدِ نَارٍ بِضَوْءِ نَارِهِ ، عَلَى مَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ صِفَتِهِ ، أَوْ كَمَثَلِ مَطَرٍ مُظْلِمٍ وَدْقُهُ تَحَدَّرَ مِنَ السَّمَاءِ ، تَحْمِلُهُ مُزْنَةٌ ظَلْمَاءُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ . وَذَلِكَ هُوَ الظُّلُمَاتُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهَا فِيهِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَخْبِرْنَا عَنْ هَذَيْنَ الْمَثَلَيْنِ : أَهُمَا مَثَلَانِ لِلْمُنَافِقِينَ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ؟ فَإِنْ يَكُونَا مَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ ، فَكَيْفَ قِيلَ : أَوْ كَصَيِّبٍ وَ أَوْ تَأْتِي بِمَعْنَى الشَّكِّ فِي الْكَلَامِ ، وَلَمْ يَقُلْ وَكَصَيِّبٍ بِالْوَاوِ الَّتِي تُلْحِقُ الْمَثَلَ الثَّانِيَ بِالْمَثَلِ الْأَوَّلِ ؟ أَوْ يَكُونُ مَثَلُ الْقَوْمِ أَحَدَهُمَا ، فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الْآخَرِ بِ أَوْ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَوْ إِذَا كَانَتْ فِي الْكَلَامِ فَإِنَّمَا تَدَخُلُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ مِنَ الْمُخْبِرِ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : لَقِيَنِي أَخُوكَ أَوْ أَبُوكَ وَإِنَّمَا لَقِيَهُ أَحَدُهُمَا ، وَلَكِنَّهُ جَهِلَ عَيْنَ الَّذِي لَقِيَهُ مِنْهُمَا ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ لَقِيَهُ .
وَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ الشَّكُّ فِي شَيْءٍ ، أَوْ عُزُوبُ عِلْمِ شَيْءٍ عَنْهُ ، فِيمَا أَخْبَرَ أَوْ تَرَكَ الْخَبَرَ عَنْهُ . قِيلَ لَهُ : إِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ . وَ أَوْ - وَإِنْ كَانَتْ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ تَأْتِي بِمَعْنَى الشَّكِّ - فَإِنَّهَا قَدْ تَأْتِي دَالَّةً عَلَى مِثْلِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَاوُ ، إِمَّا بِسَابِقٍ مِنَ الْكَلَامِ قَبْلَهَا ، وَإِمَّا بِمَا يَأْتِي بَعْدَهَا ، كَقَوْلِ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيِّرِ : وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَوْبَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الشَّكِّ فِيمَا قَالَ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ أَوْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دَالَّةً عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَاوُ لَوْ كَانَتْ مَكَانَهَا ، وَضَعَهَا مَوْضِعَهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ : نَالَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ، كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ : فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ شَيْئًا بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ أَوْ عِفَاقِ عَلَى الْمَرْأَيْنِ إِذْ مَضَيا جَمِيعًا لِشَأْنِهِمَا ، بِحُزْنٍ وَاشْتِيَاقِ فَقَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ عَلَى الْمَرْأَيْنِ إِذْ مَضَيَا جَمِيعًا أَنَّ بُكَاءَهُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَبْكِيَهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَبْكِيَهُمَا جَمِيعًا .
فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنْ أَوْ دَالَّةٌ فِي ذَلِكَ عَلَى مَثَلِ الَّذِي كَانَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَاوُ لَوْ كَانَتْ مَكَانَهَا - كَانَ سَوَاءً نُطْقٌ فِيهِ بِ أَوْ أَوْ بِ الْوَاوِ وَكَذَلِكَ وَجْهُ حَذْفِ الْمَثَلِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ كَصَيِّبٍ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا دَالًّا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : كَمَثَلِ صَيِّبٍ ، حَذَفَ الْمَثَلَ وَاكْتَفَى بِدَلَالَةِ مَا مَضَى مِنَ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : أَوْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ ، مِنْ إِعَادَةِ ذِكْرِ الْمَثَلِ ؛ طَلَبَ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ( 19 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَمَّا الظُّلُمَاتُ ، فَجَمْعٌ ، وَاحِدُهَا ظُلْمَةٌ . أَمَّا الرَّعْدُ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ .
422 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ ، مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَبِّحُ . 423 - حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ ، مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ يَسُوقُهُ ، كَمَا يَسُوقُ الْحَادِي الْإِبِلَ ، يُسَبِّحُ . كُلَّمَا خَالَفَتْ سَحَابَةٌ سَحَابَةً صَاحَ بِهَا ، فَإِذَا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طَارَتِ النَّارُ مِنْ فِيهِ ، فَهِيَ الصَّوَاعِقُ الَّتِي رَأَيْتُمْ .
فَتَخْرُجُ الصَّوَاعِقُ مِنْ بَيْنِهِ . 427 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُوسَى الْبَزَّارِ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ مَلَكٌ يَسُوقُ السَّحَابَ بِالتَّسْبِيحِ ، كَمَا يَسُوقُ الْحَادِي الْإِبِلَ بِحُدَائِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنِ الرَّعْدَ رِيحٌ تَخْتَنِقُ تَحْتَ السَّحَابِ فَتَصَّاعَدُ ، فَيَكُونُ مِنْهُ ذَلِكَ الصَّوْتُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 437 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْجَلْدِ ، إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ إِلَيْهِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الرَّعْدِ ، فَالرَّعْدُ الرِّيحُ . 438 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي الْجَلْدِ يَسْأَلُهُ عَنِ الرَّعْدِ ، فَقَالَ : الرَّعْدُ رِيحٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ كَانَ الرَّعْدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ ، فَمَعْنَى الْآيَةِ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَصَوْتُ رَعْدٍ . لِأَنَّ الرَّعْدَ إِنْ كَانَ مَلَكًا يَسُوقُ السَّحَابَ ، فَغَيْرُ كَائِنٍ فِي الصَّيِّبِ ، لِأَنَّ الصَّيِّبَ إِنَّمَا هُوَ مَا تَحَدَّرَ مِنْ صَوْبِ السَّحَابِ ، وَالرَّعْدُ إِنَّمَا هُوَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ يَسُوقُ السَّحَابَ . عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْتٌ مَسْمُوعٌ ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ رُعْبٌ يُرْعَبُ بِهِ أَحَدٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ قَطْرِ الْمَطَرِ مَلَكًا ، فَلَا يَعْدُو الْمَلَكُ الَّذِي اسْمُهُ الرَّعْدُ لَوْ كَانَ مَعَ الصَّيِّبِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا صَوْتُهُ ، أَنْ يَكُونَ كَبَعْضِ تِلْكَ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَنْزِلُ مَعَ الْقَطْرِ إِلَى الْأَرْضِ ، فِي أَنْ لَا رُعْبَ عَلَى أَحَدٍ بِكَوْنِهِ فِيهِ .
فَقَدْ عُلِمَ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : أَوْ كَمَثَلِ غَيْثٍ تَحَدَّرَ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَصَوْتُ رَعْدٍ ، إِنْ كَانَ الرَّعْدُ هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ ذِكْرِ الرَّعْدِ بِاسْمِهِ عَلَى الْمُرَادِ فِي الْكَلَامِ مِنْ ذِكْرِ صَوْتِهِ . وَإِنْ كَانَ الرَّعْدُ مَا قَالَهُ أَبُو الْجَلْدِ فَلَا شَيْءَ فِي قَوْلِهِ : فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ مَتْرُوكٌ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ الَّذِي هُوَ مَا وَصَفْنَا صِفَتَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَوْطٌ مِنْ نُورٍ يُزْجِي بِهِ الْمَلَكُ السَّحَابَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 442 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مَاءٌ .
450 - وَقَدْ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : الصَّوَاعِقُ مَلَكٌ يَضْرِبُ السَّحَابَ بِالْمَخَارِيقِ ، يُصِيبُ مِنْهُ مَنْ يَشَاءُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْمَخَارِيقُ الَّتِي ذَكَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا هِيَ الْبَرْقُ ، هِيَ السِّيَاطُ الَّتِي هِيَ مِنْ نُورٍ ، الَّتِي يُزْجِي بِهَا الْمَلَكُ السَّحَابَ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَيَكُونُ إِزْجَاءُ الْمَلَكِ بِهَا السَّحَابَ مَصْعَهُ إِيَّاهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمِصَاعَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَصْلُهُ : الْمُجَالَدَةُ بِالسُّيُوفِ ، ثُمَّ تَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ جُولِدَ بِهِ فِي حَرْبٍ وَغَيْرِ حَرْبٍ ، كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ ، وَهُوَ يَصِفُ جَوَارِيَ يَلْعَبْنَ بِحُلِيِّهِنَّ وَيُجَالِدْنَ بِهِ . إِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ يُقَالُ مِنْهُ : مَاصَعَهُ مِصَاعًا .
وَكَأَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا قَالَ : مَصْعُ مَلَكٍ إِذْ كَانَ السَّحَابُ لَا يُمَاصِعُ الْمَلَكَ ، وَإِنَّمَا الرَّعْدُ هُوَ الْمُمَاصِعُ لَهُ ، فَجَعَلَهُ مَصْدَرًا مِنْ مَصَعَهُ يَمْصَعُهُ مَصْعًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي مَعْنَى الصَّاعِقَةِ مَا قَالَ شَهْرُ بْنُ حَوشَبٍ فِيمَا مَضَى . وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْآيَةِ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ : فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ : أَحَدُهَا مَا 451 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ : أَيْ هُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْحَذَرِ مِنَ الْقَتْلِ - عَلَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْخِلَافِ وَالتَّخْوِيفِ مِنْكُمْ - عَلَى مَثَلِ مَا وُصِفَ مِنَ الَّذِي هُوَ فِي ظُلْمَةِ الصَّيِّبِ ، فَجَعَلَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ - أَيْ لِشِدَّةِ ضَوْءِ الْحَقِّ - كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ، أَيْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ ، فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ ، فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ إِلَى الْكُفْرِ قَامُوا مُتَحَيِّرِينَ .
وَالْآخَرُ مَا 452 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ إِلَى إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَمَّا الصَّيِّبُ فَالْمَطَرُ . كَانَ رَجُلَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَرَبَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، فَأَصَابَهُمَا هَذَا الْمَطَرُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ، فِيهِ رَعْدٌ شَدِيدٌ وَصَوَاعِقُ وَبَرْقٌ ، فَجَعَلَا كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمَا الصَّوَاعِقُ جَعَلَا أَصَابِعَهُمَا فِي آذَانِهِمَا مِنَ الْفَرَقِ أَنْ تَدْخُلَ الصَّوَاعِقُ فِي مَسَامِعِهِمَا فَتَقْتُلَهُمَا ، وَإِذَا لَمَعَ الْبَرْقُ مَشَيَا فِي ضَوْئِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَلْمَعْ لَمْ يُبْصِرَا وَقَامَا مَكَانَهُمَا لَا يَمْشِيَانِ ، فَجَعَلَا يَقُولَانِ : لَيْتَنَا قَدْ أَصْبَحْنَا فَنَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَنَضَعَ أَيْدِيَنَا فِي يَدِهِ ، فَأَصْبَحَا فَأَتَيَاهُ فَأَسْلَمَا وَوَضَعَا أَيْدِيَهُمَا فِي يَدِهِ ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمَا ، فَضَرَبَ اللَّهُ شَأْنَ هَذَيْنَ الْمُنَافِقَيْنِ الْخَارِجَيْنِ مَثَلًا لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ إِذَا حَضَرُوا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ فَرَقًا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ شَيْءٌ أَوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقْتَلُوا ، كَمَا كَانَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ الْخَارِجَانِ يَجْعَلَانِ أَصَابِعَهُمَا فِي آذَانِهِمَا ، وَإِذَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ، فَإِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ ، وَوُلِدَ لَهُمُ الْغِلْمَانُ ، وَأَصَابُوا غَنِيمَةً أَوْ فَتْحًا ، مَشَوْا فِيهِ ، وَقَالُوا : إِنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينُ صِدْقٍ . فَاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ ، كَمَا كَانَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ يَمْشِيَانِ ، إِذَا أَضَاءَ لَهُمُ الْبَرْقُ مَشَوْا فِيهِ ، وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا .
فَكَانُوا إِذَا هَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ ، وَوُلِدَ لَهُمُ الْجَوَارِي ، وَأَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ ، قَالُوا : هَذَا مِنْ أَجْلِ دِينِ مُحَمَّدٍ ، فَارْتَدُّوْا كُفَّارًا ، كَمَا قَامَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ حِينَ أَظْلَمَ الْبَرْقُ عَلَيْهِمَا . وَالثَّالِثُ مَا 453 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ كَمَطَرٍ ، فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ ، هُوَ مَثَلُ الْمُنَافِقِ فِي ضَوْءِ مَا تَكَلَّمَ بِمَا مَعَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَعَمِلَ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ ، فَإِذَا خَلَا وَحْدَهُ عَمِلَ بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ فِي ظُلْمَةٍ مَا أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ . وَأَمَّا الظُّلُمَاتُ فَالضَّلَالَةُ ، وَأَمَّا الْبَرْقُ فَالْإِيمَانُ ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ .
وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ، فَهُوَ رَجُلٌ يَأْخُذُ بِطَرَفِ الْحَقِّ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجَاوِزَهُ . وَالرَّابِعُ مَا 454 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمَطَرُ ، ضَرَبَ مَثَلَهُ فِي الْقُرْآنِ يَقُولُ : فِيهِ ظُلُمَاتٌ يَقُولُ : ابْتِلَاءٌ ، وَرَعْدٌ يَقُولُ فِيهِ تَخْوِيفٌ وَبَرْقٌ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ يَقُولُ : يَكَادُ مُحْكَمُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُنَافِقِينَ ، كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ يَقُولُ : كُلَّمَا أَصَابَ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ عِزًّا اطْمَأَنُّوا ، وَإِنْ أَصَابَ الْإِسْلَامَ نَكْبَةٌ قَامُوا لِيَرْجِعُوا إِلَى الْكُفْرِ يَقُولُ : وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا كَقَوْلِهِ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 11 ] . ثُمَّ اخْتَلَفَ سَائِرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بَعْدُ فِي ذَلِكَ ، نَظِيرَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ : 455 - فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : إِضَاءَةُ الْبَرْقِ وَإِظْلَامُهُ ، عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْمَثَلِ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ ، فَإِنَّهَا - وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِيهَا أَلْفَاظُ قَائِلِيهَا - مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي ، لِأَنَّهَا جَمِيعًا تُنَبِّئُ عَنْ أَنَّ اللَّهَ ضَرَبَ الصَّيِّبَ لِظَاهِرِ إِيمَانِ الْمُنَافِقِ مَثَلًا وَمَثَّلَ مَا فِيهِ مِنْ ظُلُمَاتٍ لِضَلَالَتِهِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ ضِيَاءِ بَرْقٍ لِنُورِ إِيمَانِهِ ، وَاتِّقَاءَهُ مِنَ الصَّوَاعِقِ بِتَصْيِيرِ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ ، لِضَعْفِ جَنَانِهِ وَنَخْبِ فُؤَادِهِ مِنْ حُلُولِ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِسَاحَتِهِ ، وَمَشْيَهُ فِي ضَوْءِ الْبَرْقِ بِاسْتِقَامَتِهِ عَلَى نُورِ إِيمَانِهِ ، وَقِيَامَهُ فِي الظَّلَامِ ، لِحَيْرَتِهِ فِي ضَلَالَتِهِ وَارْتِكَاسِهِ فِي عَمَهِهِ . فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - أَوْ مَثَلُ مَا اسْتَضَاءَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ قِيلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِمُحَمَّدٍ وَمَا جَاءَ بِهِ ، حَتَّى صَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا أَحْكَامُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ - مَعَ إِظْهَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُظْهِرُونَ - بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، مُكَذِّبُونَ ، وَلِخِلَافِ مَا يُظْهِرُونَ بِالْأَلْسُنِ فِي قُلُوبِهِمْ مُعْتَقِدُونَ ، عَلَى عَمًى مِنْهُمْ ، وَجَهَالَةٍ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ لَا يَدْرُونَ أَيَّ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ شُرِعَا لَهُمْ [ فِيهِ ] الْهِدَايَةُ ، أَفِي الْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ إِرْسَالِ اللَّهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَرْسَلَهُ بِهِ إِلَيْهِمْ ، أَمْ فِي الَّذِي أَتَاهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ ؟ فَهُمْ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِلُونَ ، وَهُمْ مَعَ وَجَلِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِيقَتِهِ شَاكُّونَ ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا . كَمَثَلِ غَيْثٍ سَرَى لَيْلًا فِي مُزْنَةٍ ظَلْمَاءَ وَلَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ يَحْدُوهَا رَعْدٌ ، وَيَسْتَطِيرُ فِي حَافَّاتِهَا بَرْقٌ شَدِيدٌ لَمَعَانُهُ ، كَثِيرٌ خَطَرَانُهُ ، يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ وَيَخْتَطِفُهَا مِنْ شِدَّةِ ضِيَائِهِ وَنُورِ شُعَاعِهِ ، وَيَنْهَبِطُ مِنْهَا تَارَاتٍ صَوَاعِقُ ، تَكَادُ تَدَعُ النُّفُوسَ مِنْ شِدَّةِ أَهْوَالِهَا زَوَاهِقَ .
فَالصَّيِّبُ مَثَلٌ لِظَاهِرِ مَا أَظْهَرَ الْمُنَافِقُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ ، وَالظُّلُمَاتُ الَّتِي هِيَ فِيهِ لِظُلُمَاتِ مَا هُمْ مُسْتَبْطِنُونَ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ وَمَرَضِ الْقُلُوبِ . وَأَمَّا الرَّعْدُ وَالصَّوَاعِقُ ، فَلِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْوَجَلِ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آيِ كِتَابِهِ ، إِمَّا فِي الْعَاجِلِ وَإِمَّا فِي الْآجِلِ ، أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ ، مَعَ شَكِّهِمْ فِي ذَلِكَ : هَلْ هُوَ كَائِنٌ أَمْ غَيْرُ كَائِنٍ ؟ وَهَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ أَمْ ذَلِكَ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ ؟ مَثَلٌ . فَهُمْ مِنْ وَجَلِهِمْ ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقًّا ، يَتَّقُونَهُ بِالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، مَخَافَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْهَلَاكِ وَنُزُولِ النَّقِمَاتِ ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ يَعْنِي بِذَلِكَ : يَتَّقُونَ وَعِيدَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِمَا يُبْدُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ ظَاهِرِ الْإِقْرَارِ ، كَمَا يَتَّقِي الْخَائِفُ أَصْوَاتِ الصَّوَاعِقِ بِتَغْطِيَةِ أُذُنَيْهِ وَتَصْيِيرِ أَصَابِعَهُ فِيهَا ، حَذَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا إِذَا حَضَرُوا مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْخَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ فَرَقًا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ شَيْءٌ ، أَوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقْتَلُوا . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا - وَلَسْتُ أَعْلَمُهُ صَحِيحًا إِذْ كُنْتُ بِإِسْنَادِهِ مُرْتَابًا - فَإِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُمَا هُوَ الْقَوْلُ ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ صَحِيحٍ ، فَأَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قُلْنَا ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا قَصَّ عَلَيْنَا مَنْ خَبَرِهِمْ فِي أَوَّلِ مُبْتَدَأِ قِصَّتِهِمْ ، أَنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، مَعَ شَكِّ قُلُوبِهِمْ وَمَرَضِ أَفْئِدَتِهِمْ فِي حَقِيقَةِ مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ . وَبِذَلِكَ وَصَفَهُمْ فِي جَمِيعِ آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا صِفَتَهُمْ .
فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ إِدْخَالَهُمْ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مَثَلًا لِاتِّقَائِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ يَتَّقُونَهُمْ بِهِ ، كَمَا يَتَّقِي سَامِعُ صَوْتِ الصَّاعِقَةِ بِإِدْخَالِ أَصَابِعِهِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَذَلِكَ مِنَ الْمَثَلِ نَظِيرُ تَمْثِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا أَنْزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْوَعِيدِ فِي آيِ كِتَابِهِ بِأَصْوَاتِ الصَّوَاعِقِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ حَذَرَ الْمَوْتِ جَعَلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَثَلًا لِخَوْفِهِمْ وَإِشْفَاقِهِمْ مِنْ حُلُولِ عَاجِلِ الْعِقَابِ الْمُهْلِكِهِمُ الَّذِي تُوُعِّدُوهُ بِسَاحَتِهِمْ كَمَا يَجْعَلُ سَامِعُ أَصْوَاتِ الصَّوَاعِقِ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ ، حَذَرَ الْعَطَبِ وَالْمَوْتِ عَلَى نَفْسِهِ ، أَنْ تَزْهَقَ مِنْ شِدَّتِهَا .
وَإِنَّمَا نَصَبَ قَوْلَهُ حَذَرَ الْمَوْتِ عَلَى نَحْوِ مَا تُنْصَبُ بِهِ التَّكْرِمَةُ فِي قَوْلِكَ : زُرْتُكَ تَكْرِمَةً لَكَ تُرِيدُ بِذَلِكَ : مِنْ أَجْلِ تَكْرِمَتِكَ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 90 ] عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْفِعْلِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : حَذَرَ الْمَوْتِ حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ . 465 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْهُ .
وَذَلِكَ مَذْهَبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجْعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَا قَالَ إِنَّهُ يُرَادُ بِهِ ، حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا مِنْ حِذَارِ الْمَوْتِ فِي آذَانِهِمْ . وَكَانَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَتَأَوَّلَانِ قَوْلَهُ : يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَةٌ لِلْمُنَافِقِينَ بِالْهَلَعِ وَضَعْفِ الْقُلُوبِ وَكَرَاهَةِ الْمَوْتِ ، وَيَتَأَوَّلَانِ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ ] . وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي كَالَّذِي قَالَا .
وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا تُنْكَرُ شَجَاعَتُهُ وَلَا تُدْفَعُ بَسَالَتُهُ ، كَقُزْمَانَ ، الَّذِي لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِأُحُدٍ ، أَوْ دُونَهُ . وَإِنَّمَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُمْ شُهُودَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَرْكُهُمْ مُعَاوَنَتَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي أَدْيَانِهِمْ مُسْتَبْصِرِينَ ، وَلَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقِينَ ، فَكَانُوا لِلْحُضُورِ مَعَهُ مَشَاهِدَهُ كَارِهِينَ ، إِلَّا بِالتَّخْذِيلِ عَنْهُ . وَلَكِنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ بِالْإِشْفَاقِ مِنْ حُلُولِ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِهِمْ عَلَى نِفَاقِهِمْ ، إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا .
ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ - الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللَّهُ النَّعْتَ الَّذِي ذَكَرَ - وَضَرَبَ لَهُمُ الْأَمْثَالَ الَّتِي وَصَفَ ، وَإِنِ اتَّقَوْا عِقَابَهُ ، وَأَشْفَقُوا عَذَابَهُ إِشْفَاقَ الْجَاعِلِ فِي أُذُنَيْهِ أَصَابِعَهُ حَذَارِ حُلُولَ الْوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِي آيِ كِتَابِهِ - غَيْرُ مُنْجِيهِمْ ذَلِكَ مِنْ نُزُولِهِ بِعَقْوَتِهِمْ ، وَحُلُولِهِ بِسَاحَتِهِمْ ، إِمَّا عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا ، وَإِمَّا آجِلًا فِي الْآخِرَةِ ، لِلَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَرَضِهَا ، وَالشَّكِّ فِي اعْتِقَادِهَا ، فَقَالَ : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ بِمَعْنَى جَامِعُهُمْ ، فَمُحِلٌّ بِهِمْ عُقُوبَتَهُ . وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ كَمَا : 466 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ . عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ قَالَ : جَامِعُهُمْ فِي جَهَنَّمَ .
وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا : 467 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَقُولُ : اللَّهُ مُنْزِلُ ذَلِكَ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ . 468 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ قَالَ : جَامِعُهُمْ . ثُمَّ عَادَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِلَى نَعْتِ إِقْرَارِ الْمُنَافِقِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَالْخَبَرِ عَنْهُ وَعَنْهُمْ وَعَنْ نِفَاقِهِمْ ، وَإِتْمَامِ الْمَثَلِ الَّذِي ابْتَدَأَ ضَرْبَهُ لَهُمْ وَلِشَكِّهِمْ وَمَرَضِ قُلُوبِهِمْ ، فَقَالَ : يَكَادُ الْبَرْقُ يَعْنِي بِالْبَرْقِ ، الْإِقْرَارَ الَّذِي أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ .
فَجَعَلَ الْبَرْقَ لَهُ مَثَلًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا صِفَتَهُ . يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ يَعْنِي : يَذْهَبُ بِهَا وَيَسْتَلِبُهَا وَيَلْتَمِعُهَا مِنْ شِدَّةِ ضِيَائِهِ وَنُورِ شُعَاعِهِ . 469 - كَمَا حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ قَالَ : يَلْتَمِعُ أَبْصَارَهُمْ وَلَمَّا يَفْعَلْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْخَطْفُ السَّلْبُ ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَطْفَةِ ، يَعْنِي بِهَا النُّهْبَةَ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْخُطَّافِ الَّذِي يُخْرَجُ بِهِ الدَّلْوُ مِنَ الْبِئْرِ خُطَّافٌ ، لِاخْتِطَافِهِ وَاسْتِلَابِهِ مَا عَلِقَ بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ مَتِينَةٍ تَمُدُّ بِهَا أَيدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ فَجَعَلَ ضَوْءَ الْبَرْقِ وَشِدَّةَ شُعَاعِ نُورِهِ ، كَضَوْءِ إِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَشُعَاعِ نُورِهِ ، مَثَلًا . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ يَعْنِي أَنَّ الْبَرْقَ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ ، وَجَعَلَ الْبَرْقَ لِإِيمَانِهِمْ مَثَلًا .
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمُ الْإِيمَانُ ، وَإِضَاءَتُهُ لَهُمْ أَنْ يَرَوْا فِيهِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ ، مِنَ النُّصْرَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَإِصَابَةِ الْغَنَائِمِ فِي الْمُغَازِي ، وَكَثْرَةِ الْفُتُوحِ ، وَمَنَافِعِهَا ، وَالثَّرَاءِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَالسَّلَامَةِ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ - فَذَلِكَ إِضَاءَتُهُ لَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنَ الْإِقْرَارِ ، ابْتِغَاءَ ذَلِكَ ، وَمُدَافِعَةً عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَذَرَارِيهِمْ ، وَهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 11 ] . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ مَشَوْا فِيهِ مَشَوْا فِي ضَوْءِ الْبَرْقِ . وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا .
فَمَعْنَاهُ : كُلَّمَا رَأَوْا فِي الْإِيمَانِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، ثَبَتُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ ، كَمَا يَمْشِي السَّائِرُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَظُلْمَةِ الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، إِذَا بَرَقَتْ فِيهَا بَارِقَةٌ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ فِيهَا . وَإِذَا أَظْلَمَ يَعْنِي : ذَهَبَ ضَوْءُ الْبَرْقِ عَنْهُمْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى السَّائِرِينَ فِي الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْرُهُ .
وَذَلِكَ لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلٌ . وَمَعْنَى إِظْلَامِ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كُلَّمَا لَمْ يَرَوْا فِي الْإِسْلَامِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ - عِنْدَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ مُؤْمِنِي عِبَادِهِ بِالضَّرَّاءِ ، وَتَمْحِيصِهِ إِيَّاهُمْ بِالشَّدَائِدِ وَالْبَلَاءِ ، مِنْ إِخْفَاقِهِمْ فِي مَغْزَاهُمْ ، وَإِنَالَةِ عَدُوِّهِمْ مِنْهُمْ ، أَوْ إِدْبَارٍ مِنْ دُنْيَاهُمْ عَنْهُمْ أَقَامُوا عَلَى نِفَاقِهِمْ ، وَثَبَتُوا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ ، كَمَا قَامَ السَّائِرُ فِي الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِذَا أَظْلَمَ وَخَفَتَ ضَوْءُ الْبَرْقِ ، فَحَارَ فِي طَرِيقِهِ ، فَلَمْ يَعْرِفْ مَنْهَجَهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ - بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ دُونَ سَائِرِ أَعْضَاءِ أَجْسَامِهِمْ - لِلَّذِي جَرَى مِنْ ذِكْرِهَا فِي الْآيَتَيْنِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ : يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ وَقَوْلَهُ : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ فَجَرَى ذِكْرُهَا فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمَثَلِ ، ثُمَّ عَقَّبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذِكْرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَعِيدًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ ، كَمَا تَوَعَّدَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِقَوْلِهِ : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ وَاصِفًا بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ نَفْسَهُ أَنَّهُ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمْعِهِمْ ، لِإِحْلَالِ سَخَطِهِ بِهِمْ ، وَإِنْزَالِ نِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ ، وَمُحَذِّرَهُمْ بِذَلِكَ سَطْوَتَهُ ، وَمُخَوِّفَهُمْ بِهِ عُقُوبَتَهُ ، لِيَتَّقُوا بَأْسَهُ ، وَيُسَارِعُوا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ .
470 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ لِمَا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ . 471 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ - يَعْنِي قَالَ اللَّهُ - فِي أَسْمَاعِهِمْ - يَعْنِي أَسْمَاعَ الْمُنَافِقِينَ - وَأَبْصَارِهُمُ الَّتِي عَاشُوا بِهَا فِي النَّاسِ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ لِأَذْهَبَ سَمْعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَدْخَلُوا الْبَاءَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالُوا : ذَهَبْتُ بِبَصَرِهِ ، وَإِذَا حَذَفُوا الْبَاءَ قَالُوا : أَذْهَبْتَ بَصَرَهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 62 ] ، وَلَوْ أُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِي الْغَدَاءِ لَقِيلَ : ائْتِنَا بِغَدَائِنَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ فَوَحَّدَ ، وَقَالَ : وَأَبْصَارِهِمْ فَجَمَعَ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْخَبَرَ فِي السَّمْعِ خَبَرٌ عَنْ سَمْعِ جَمَاعَةٍ ، كَمَا الْخَبَرُ عَنِ الْأَبْصَارِ خَبَرٌ عَنْ أَبْصَارِ جَمَاعَةٍ ؟ قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : وَحَّدَ السَّمْعَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمَصْدَرَ وَقَصَدَ بِهِ الْخَرْقَ ، وَجَمَعَ الْأَبْصَارَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْأَعْيُنَ .
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ : أَنَّ السَّمْعَ وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى جَمَاعَةٍ . وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ : لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 43 ] ، يُرِيدُ : لَا تَرْتَدُ إِلَيْهِمْ أَطْرَافُهُمْ ، وَبُقَوْلِهِ : وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ سُورَةُ الْقَمَرِ : 45 ] ، يُرَادُ بِهِ أَدْبَارُهُمْ . وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدِي ، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْجَمْعُ ، فَكَانَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ ، وَأَدَاءِ مَعْنَى الْوَاحِدِ مِنَ السَّمْعِ عَنْ مَعْنَى جَمَاعَةٍ ، مُغْنِيًا عَنْ جِمَاعِهِ .
وَلَوْ فِعْلَ بِالْبَصَرِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالسَّمْعِ ، أَوْ فَعَلَ بِالسَّمْعِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالْأَبْصَارِ - مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ - كَانَ فَصِيحًا صَحِيحًا ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ فَوَحَّدَ الْبَطْنَ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبُطُونُ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا وَصْفَ اللَّهُ نَفْسَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهِمْ مُحِيطٌ ، وَعَلَى إِذْهَابِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَدِيرٌ . ثُمَّ قَالَ : فَاتَّقُونِي أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ ، وَاحْذَرُوا خِدَاعِي وَخِدَاعَ رَسُولِي وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِي ، لَا أُحِلُّ بِكُمْ نِقْمَتِي ، فَإِنِّي عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَدِيرٌ .
وَمَعْنَى قَدِيرٌ قَادِرٌ ، كَمَا مَعْنَى عَلِيمٍ عَالَمٌ ، عَلَى مَا وَصَفْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَائِرِهِ ، مِنْ زِيَادَةِ مَعْنَى فَعِيلٍ عَلَى فَاعِلٍ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ .