الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ التَّوَّابُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ - مِنْ عِبَادِهِ الْمُذْنِبِينَ - مِنْ ذُنُوبِهِ ، التَّارِكُ مَجَازَاتِهِ بِإِنَابَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِ بِمَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ . وَقَدْ ذَكَّرْنَا أَنَّ مَعْنَى التَّوْبَةِ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ ، إِنَابَتُهُ إِلَى طَاعَتِهِ ، وَأَوْبَتِهِ إِلَى مَا يُرْضِيهِ بِتَرْكِهِ مَا يُسْخِطُهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مُقِيمًا مِمَّا يَكْرَهُهُ رَبُّهُ . فَكَذَلِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ ، هُوَ أَنْ يَرْزُقَهُ ذَلِكَ ، وَيُؤَوِّبُ لَهُ مِنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِ إِلَى الرِّضَا عَنْهُ ، وَمِنَ الْعُقُوبَةِ إِلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : الرَّحِيمُ فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِ مَعَ التَّوْبَةِ بِالرَّحْمَةِ . وَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُ ، إِقَالَةُ عَثْرَتِهِ ، وَصَفْحُهُ عَنْ عُقُوبَةِ جُرْمِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فِيمَا مَضَى ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِعَادَتِهِ ، إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هُوَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ .
793 - وَقَدْ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، فِي قَوْلِهِ : اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا قَالَ : آدَمُ وَحَوَّاءُ وَالْحَيَّةُ وَإِبْلِيسُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ فَإِنْ يَأْتِكُمْ . وَ مَا الَّتِي مَعَ إِنْ تَوْكِيدٌ لِلْكَلَامِ ، وَلِدُخُولِهَا مَعَ إِنْ أُدْخِلَتِ النُّونُ الْمُشَدَّدَةُ فِي يَأْتِيَنَّكُمْ تَفْرِقَةً بِدُخُولِهَا بَيْنَ مَا الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى تَوْكِيدِ الْكَلَامِ - الَّتِي تُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ صِلَةً وَحَشْوًا - وَبَيْنَ مَا الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الَّذِي فَتُؤْذِنُ بِدُخُولِهَا فِي الْفِعْلِ ، أَنَّ مَا الَّتِي مَعَ إِنْ الَّتِي بِمَعْنَى الْجَزَاءِ ، تَوْكِيدٌ ، وَلَيْسَتْ مَا الَّتِي بِمَعْنَى الَّذِي وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ : إِنَّ إِمَّا إِنْ زِيدَتْ مَعَهَا مَا وَصَارَ الْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ أَوَ الثَّقِيلَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ نُونٍ .
وَإِنَّمَا حَسُنَتْ فِيهِ النُّونُ لَمَّا دَخَلْتُهُ مَا لِأَنَّ مَا نَفْيٌ ، فَهِيَ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَهِيَ الْحَرْفُ الَّذِي يَنْفِي الْوَاجِبَ ، فَحَسُنَتْ فِيهِ النُّونُ ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ : بِعَيْنٍ مَا أَرَيَنَّكَ حِينَ أُدْخِلَتْ فِيهَا مَا حَسُنَتِ النُّونُ فِيمَا هَاهُنَا . وَقَدْ أَنْكَرَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ دَعْوَى قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : أَنَّ مَا الَّتِي مَعَ بِعَيْنٍ مَا أَرَيَنَّكَ بِمَعْنَى الْجَحْدِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ لِلْكَلَامِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ حَشْوٌ فِي الْكَلَامِ ، وَمَعْنَاهَا الْحَذْفُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : بِعَيْنٍ أَرَاكَ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُجْعَلَ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْهُدَى ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْبَيَانُ وَالرَّشَادُ . كَمَا : 794 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، فِي قَوْلِهِ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى قَالَ : الْهُدَى ، الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْبَيَانُ . فَإِنْ كَانَ مَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ، فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ : اهْبِطُوا وَإِنْ كَانَ لِآدَمَ وَزَوْجَتِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ آدَمُ وَزَوْجَتُهُ وَذُرِّيَّتُهُمَا .
فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 11 ] ، بِمَعْنَى أَتَيْنَا بِمَا فِينَا مِنَ الْخُلُقِ طَائِعِينَ ، وَنَظِيرَ قَوْلِهِ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسَلَّمَةً لَكَ وَأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ ) [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 128 ] ، فَجَمَعَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ ذُرِّيَّةً ، وَهُوَ فِي قِرَاءَتِنَا : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَكَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ : كَأَنَّكَ قَدْ تَزَوَّجْتَ وُوُلِدَ لَكَ ، وَكَثُرْتُمْ وَعَزَزْتُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، لِأَنَّ آدَمَ كَانَ هُوَ النَّبِيَّ أَيَّامَ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَالرَّسُولَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى وَلَدِهِ . فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا - وَهُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى خِطَابًا لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ ، فَإِمَّا يَأْتِينَكُمْ مِنِّي أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ إِلَّا عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ التَّأْوِيلِ .
وَقَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ - فَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِنْهُ عِنْدِي وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ التِّلَاوَةِ ، أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهَا : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ مَنْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ سَمَائِي ، وَهُوَ آدَمُ وَزَوْجَتُهُ وَإِبْلِيسُ - كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا - إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي بَيَانٌ مِنْ أَمْرِي وَطَاعَتِي ، وَرَشَادٌ إِلَى سَبِيلِي وَدِينِي ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْكُمْ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَفَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَيَّ مَعْصِيَةٌ وَخِلَافٌ لِأَمْرِي وَطَاعَتِي . يُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ التَّائِبُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ ، وَالرَّحِيمُ لِمَنْ أَنَابَ إِلَيْهِ ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينِ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا وَالَّذِينَ خُوطِبُوا بِهِ هُمْ مَنْ سَمَّيْنَا فِي قَوْلِ الْحُجَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ قَدْ قَدَّمْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ . وَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ لِمَنْ أُهْبِطَ حِينَئِذٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَهُوَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ بِذَلِكَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ ( : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 6 ] ، وَفِي قَوْلِهِ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 8 ] ، وَأَنَّ حُكْمَهُ فِيهِمْ - إِنْ تَابُوا إِلَيْهِ وَأَنَابُوا وَاتَّبَعُوا مَا أَتَاهُمْ مِنَ الْبَيَانِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ قَبْلَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ ، كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا .
وَقَوْلُهُ : فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ يَعْنِي : فَمَنِ اتَّبَعَ بَيَانِي الَّذِي آتَيْتُهُ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِي ، أَوْ مَعَ رُسُلِي . كَمَا : 795 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ يَعْنِي بَيَانِي . وَقَوْلُهُ : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَعْنِي فَهُمْ آمِنُونَ فِي أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ ، غَيْرُ خَائِفِينَ عَذَابَهُ ، بِمَا أَطَاعُوا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا وَاتَّبَعُوا أَمْرَهُ وَهُدَاهُ وَسَبِيلَهُ ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا خَلَّفُوا بَعْدَ وَفَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا .
كَمَا : 796 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَقُولُ : لَا خَوْفَ عَلَيْكُمْ أَمَامَكُمْ . وَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ فِي صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ . فَأَمَّنَهُمْ مِنْهُ وَسَلَّاهُمْ عَنِ الدُّنْيَا فَقَالَ : وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ