الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ، فَهُمُ الْمُصَدِّقُونَ رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَإِيمَانُهُمْ بِذَلِكَ تَصْدِيقُهُمْ بِهِ - عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَأَمَّا الَّذِينَ هَادُوا ، فَهُمُ الْيَهُودُ . وَمَعْنَى : هَادُوا ، تَابُوا .
يُقَالُ مِنْهُ : هَادَ الْقَوْمُ يَهُودُونَ هَوْدًا وَهَادَةً . وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودُ يَهُودَ ، مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِمْ : إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ . [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 156 ] .
1094 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَالنَّصَارَى ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ النَّصَارَى جَمْعٌ ، وَاحِدُهُمْ نَصْرَانِ ، كَمَا وَاحِدُ السُّكَارَى سَكْرَانِ ، وَوَاحِدُ النَّشَاوَى نَشْوَانِ . وَكَذَلِكَ جَمَعُ كُلِّ نَعْتٍ كَانَ وَاحِدُهُ عَلَى فَعْلَانِ فَإِنَّ جَمْعَهُ عَلَى فُعَالَى .
إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَفِيضَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي وَاحِدِ النَّصَارَى نَصْرَانِيٌّ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ سَمَاعًا نَصْرَانِ بِطَرْحِ الْيَاءِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تَرَاهُ إِذَا زَارَ الْعَشِيُّ مُحَنِّفًا وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهُوَ نَصْرَانُ شَامِسُ وَسُمِعَ مِنْهُمْ فِي الْأُنْثَى : نَصْرَانَةٌ ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسَهَا كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ يُقَالُ : أَسْجَدَ ، إِذَا مَالَ . وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعِهِمْ أَنْصَارُ ، بِمَعْنَى النَّصَارَى .
قَالَ الشَّاعِرُ : لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصَارَا شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الْإِزَارَا كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى لِنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَتَنَاصُرِهِمْ بَيْنَهُمْ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ . 1095 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : النَّصَارَى إِنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ .
وَيَقُولُ آخَرُونَ : لِقَوْلِهِ : مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [ سُورَةُ الصَّفِّ : 14 ] . وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُرْتَضًى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا سُمِّيَتِ النَّصَارَى نَصَارَى ، لِأَنَّ قَرْيَةَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ كَانَتْ تُسَمَّى نَاصِرَةُ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُسَمَّوْنَ النَّاصِرِيِّينَ ، وَكَانَ يُقَالُ لِعِيسَى : النَّاصِرِيُّ . 1096 - حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
1096 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : إِنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ يَنْزِلُهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، فَهُوَ اسْمٌ تَسَمَّوْا بِهِ ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ . 1098 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [ الْمَائِدَةِ : 22 ] قَالَ : تُسُمُّوا بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ ، كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَنْزِلُهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالصَّابِئِينَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ الصَّابِئُونَ جَمْعُ صَابِئٍ ، وَهُوَ الْمُسْتَحْدِثُ سِوَى دِينِهِ دِينًا ، كَالْمُرْتَدِّ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ دِينِهِ .
وَكُلُّ خَارِجٍ مِنْ دِينٍ كَانَ عَلَيْهِ إِلَى آخَرٍ غَيْرِهِ ، تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ : صَابِئًا . يُقَالُ مِنْهُ : صَبَأَ فُلَانٌ يَصْبَأُ صَبْأً . وَيُقَالُ : صَبَأَتِ النُّجُومُ : إِذَا طَلَعَتْ .
وَصَبَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا ، يَعْنِي بِهِ : طَلَعَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ هَذَا الِاسْمُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَلْزَمُ ذَلِكَ كُلَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِ دِينٍ .
1105 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . 1106 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ مُجَاهِدٌ : الصَّابِئِينَ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ ، لَا دِينَ لَهُمْ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : الصَّابِئِينَ زَعَمُوا أَنَّهَا قَبِيلَةٌ مِنْ نَحْوِ السَّوَادِ ، لَيْسُوا بِمَجُوسٍ وَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى .
قَالَ : قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ : قَدْ صَبَأَ . 1107 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَالصَّابِئِينَ قَالَ : الصَّابِئُونَ ، [ أَهْلُ ] دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ كَانُوا بِجَزِيرَةِ الْمَوْصِلِ يَقُولُونَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ وَلَا كِتَابٌ وَلَا نَبِيٌّ ، إِلَّا قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . قَالَ : وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ : هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ ، يُشَبِّهُونَهُمْ بِهِمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1108 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنِي زِيَادٌ أَنَّ الصَّابِئِينَ يُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَيُصَلُّونَ الْخَمْسَ . قَالَ : فَأَرَادَ أَنْ يَضَعَ عَنْهُمُ الْجِزْيَةَ . قَالَ : فَخُبِّرَ بَعْدُ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ .
1109 - وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : ( وَالصَّابِئِينَ ) قَالَ : الصَّابِئُونَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ ، يُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ . 1110 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : الصَّابِئُونَ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ : وَبَلَغَنِي أَيْضًا أَنَّ الصَّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ ، وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1111 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : سُئِلَ السُّدِّيُّ عَنِ الصَّابِئِينَ ، فَقَالَ : هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، مَنْ صَدَّقَ وَأَقَرَّ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَعَمِلَ صَالِحًا فَأَطَاعَ اللَّهَ ، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، فَلَهُمْ ثَوَابُ عَمَلِهِمُ الصَّالِحِ عِنْدَ رَبِّهِمْ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَأَيْنَ تَمَامُ قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ؟ قِيلَ : تَمَامُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . لِأَنَّ مَعْنَاهُ : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَتَرَكَ ذِكْرَ مِنْهُمْ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، اسْتِغْنَاءً بِمَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ ذِكْرَهُ . فَإِنْ قَالَ : وَمَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ، مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ .
فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ يُؤْمِنُ الْمُؤْمِنُ ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْمُؤْمِنَ الْمَعْنَى الَّذِي ظَنَنْتَهُ ، مِنِ انْتِقَالٍ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ ، كَانْتِقَالِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إِلَى الْإِيمَانِ وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إِنَّ الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ ، مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى إِيمَانِهِ بِعِيسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، حَتَّى أَدْرَكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ ، فَقِيلَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِعِيسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، إِذْ أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَلَكِنْ مَعْنَى إِيمَانِ الْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، ثَبَاتُهُ عَلَى إِيمَانِهِ وَتَرْكِهِ تَبْدِيلَهُ . وَأَمَّا إِيمَانُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ، فَالتَّصْدِيقُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، فَمَنْ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ بِمُحَمَّدٍ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَيَعْمَلُ صَالِحًا ، فَلَمْ يُبَدِّلْ وَلَمْ يُغَيِّرْ حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَهُ ثَوَابُ عَمَلِهِ وَأَجْرِهِ عِنْدَ رَبِّهِ ، كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَإِنَّمَا لَفْظُهُ مَنْ لَفْظٌ وَاحِدٌ ، وَالْفِعْلُ مَعَهُ مُوَحَّدٌ ؟ قِيلَ : مَنْ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَلِيهِ مِنَ الْفِعْلِ مُوَحَّدًا ، فَإِنَّ مَعْنَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ ، وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ ، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَصُورَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ .
فَالْعَرَبُ تَوَحِّدُ مَعَهُ الْفِعْلَ - وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى جَمْعٍ - لِلَفْظِهِ ، وَتَجَمَعُ أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْلَ لِمَعْنَاهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ ٤٢ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ ﴾ [ يُونُسَ : 42 - 43 ] . فَجَمَعَ مَرَّةً مَعَ مَنْ الْفِعْلَ لِمَعْنَاهُ ، وَوَحَّدَ أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْلَ لِأَنَّهُ فِي لَفْظِ الْوَاحِدِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إِنْ عَرَّضْتُمَا ، وَقُولَا لَهَا : عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا فَقَالَ : تَخَلَّفُوا ، وَجَعَلَ مَنْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ : تَعَالَ فَإِنْ عَاهَدْتَنِي لَا تَخُونُنِي نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ فَثَنَّى يَصْطَحِبَانِ لِمَعْنَى مَنْ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَحَّدَ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا لِلَفْظِ مَنْ ، وَجَمَعَ ذِكْرَهُمْ فِي قَوْلِهِ : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ، لِمَعْنَاهُ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى جَمْعٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : وَلَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَعَيْشِهَا ، عِنْدَ مُعَايَنَتِهِمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ عِنْدَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ عُنِيَ بِقَوْلِهِ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 1112 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا الْآيَةُ ، قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ . وَكَانَ سَلْمَانُ مِنْ جُنْدِ يَسَابُورَ ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ ، وَكَانَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدِيقًا لَهُ مُؤَاخِيًا ، لَا يَقْضِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَمْرًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَكَانَا يَرْكَبَانِ إِلَى الصَّيْدِ جَمِيعًا .
فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الصَّيْدِ ، إِذْ رُفِعَ لَهُمَا بَيْتٌ مِنْ عَبَاءَ ، فَأَتَيَاهُ فَإِذَا هُمَا فِيهِ بِرَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وَهُوَ يَبْكِي . فَسَأَلَاهُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ يَعْلَمَ هَذَا لَا يَقِفُ مَوْقِفَكُمَا ، فَإِنْ كُنْتُمَا تُرِيدَانِ أَنْ تَعْلَمَا مَا فِيهِ فَانْزِلَا حَتَّى أُعَلِّمَكُمَا . فَنَزَلَا إِلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُمَا : هَذَا كِتَابٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، أَمَرَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، فِيهِ : أَنْ لَا تَزْنِي ، وَلَا تَسْرِقَ ، وَلَا تَأْخُذَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ .
فَقَصَّ عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ ، وَهُوَ الْإِنْجِيلُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عِيسَى . فَوَقَعَ فِي قُلُوبِهِمَا ، وَتَابِعَاهُ فَأَسْلَمَا . وَقَالَ لَهُمَا : إِنَّ ذَبِيحَةَ قَوْمِكُمَا عَلَيْكُمَا حَرَامٌ .
فَلَمْ يَزَالَا مَعَهُ كَذَلِكَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ ، حَتَّى كَانَ عِيدٌ لِلْمَلِكِ ، فَجَعَلَ طَعَامًا ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَالْأَشْرَافَ ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْمَلِكِ فَدَعَاهُ إِلَى صَنِيعِهِ لِيَأْكُلَ مَعَ النَّاسِ . فَأَبَى الْفَتَى ، وَقَالَ : إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولٌ ، فَكُلْ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ . فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ ، أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ .
فَبَعَثَ الْمَلِكُ إِلَى ابْنِهِ فَدَعَاهُ . وَقَالَ : مَا أَمْرُكَ هَذَا ؟ قَالَ : إِنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ ذَبَائِحِكُمْ ، إِنَّكُمْ كُفَّارٌ ، لَيْسَ تَحِلُّ ذَبَائِحُكُمْ . فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّاهِبَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ .
فَدَعَا الرَّاهِبَ فَقَالَ : مَاذَا يَقُولُ ابْنِي ؟ قَالَ : صَدَقَ ابْنُكَ . قَالَ لَهُ : لَوْلَا أَنَّ الدَّمَ فِينَا عَظِيمٌ لَقَتَلْتُكَ ، وَلَكِنُ اخْرُجْ مِنْ أَرْضِنَا . فَأَجَّلَهُ أَجَلًا .
فَقَالَ سَلْمَانُ : فَقُمْنَا نَبْكِي عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُمَا : إِنْ كُنْتُمَا صَادِقَيْنِ ، فَإِنَّا فِي بَيْعَةٍ بِالْمَوْصِلِ مَعَ سِتِّينَ رَجُلًا نَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا ، فَأْتُونَا فِيهَا . فَخَرَجَ الرَّاهِبُ ، وَبَقِيَ سَلْمَانُ وَابْنُ الْمَلِكِ : فَجَعَلَ يَقُولُ لِابْنِ الْمَلِكِ : انْطَلِقْ بِنَا ! وَابْنُ الْمَلِكِ يَقُولُ : نَعَمْ . وَجَعَلَ ابْنُ الْمَلِكِ يَبِيعُ مَتَاعَهُ يُرِيدُ الْجِهَازَ .
فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَى سَلْمَانَ ، خَرَجَ سَلْمَانُ حَتَّى أَتَاهُمْ ، فَنَزَلَ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَهُوَ رَبُّ الْبَيْعَةِ . وَكَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَيْعَةِ مِنْ أَفْضَلِ الرُّهْبَانِ ، فَكَانَ سَلْمَانُ : مَعَهُمْ يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ وَيُتْعِبُ نَفْسَهُ ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ : إِنَّكَ غُلَامٌ حَدَثٌ تَتَكَلَّفُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا تُطِيقُ ، وَأَنَا خَائِفٌ أَنْ تَفْتُرَ وَتَعْجِزَ ، فَارْفُقْ بِنَفْسِكَ وَخَفِّفْ عَلَيْهَا . فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : أَرَأَيْتَ الَّذِي تَأْمُرُنِي بِهِ ، أَهُوَ أَفْضَلُ أَوِ الَّذِي أَصْنَعُ ؟ قَالَ : بَلِ الَّذِي تَصْنَعُ .
قَالَ : فَخَلِّ عَنِّي . ثُمَّ إِنْ صَاحِبَ الْبَيْعَةِ دَعَاهُ فَقَالَ : أَتَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ لِي ، وَأَنَا أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْرِجَ هَؤُلَاءِ مِنْهَا لَفَعَلْتُ ! وَلَكِنِّي رَجُلٌ أَضْعُفُ عَنْ عِبَادَةِ هَؤُلَاءِ ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَحَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْبَيْعَةِ إِلَى بَيْعَةٍ أُخْرَى هُمْ أَهْوَنُ عِبَادَةً مِنْ هَؤُلَاءِ ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ هَاهُنَا فَأَقِمْ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فَانْطَلِقْ . قَالَ لَهُ سَلْمَانُ : أَيُّ الْبَيْعَتَيْنِ أَفْضَلُ أَهْلًا ؟ قَالَ : هَذِهِ .
قَالَ سَلْمَانُ : فَأَنَا أَكُونُ فِي هَذِهِ . فَأَقَامَ سَلْمَانُ بِهَا وَأَوْصَى صَاحِبُ الْبَيْعَةِ عَالِمَ الْبَيْعَةِ بِسَلْمَانَ ، فَكَانَ سَلْمَانُ يَتَعَبَّدُ مَعَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ الْعَالِمَ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَقَالَ لِسَلْمَانَ : إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فَانْطَلِقْ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ فَأَقِمْ .
فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ، أَنْطَلِقُ مَعَكَ أَمْ أُقِيمُ ؟ قَالَ : لَا بَلْ تَنْطَلِقُ مَعِي . فَانْطَلَقَ مَعَهُ . فَمَرُّوا بِمُقْعَدٍ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ مُلْقَى ، فَلَمَّا رَآهُمَا نَادَى : يَا سَيِّدَ الرُّهْبَانِ ، ارْحَمْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ ! فَلَمْ يُكَلِّمْهُ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ .
وَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَقَالَ الشَّيْخُ لِسَلْمَانَ : اخْرُجْ فَاطْلُبِ الْعِلْمَ ، فَإِنَّهُ يَحْضُرُ هَذَا الْمَسْجِدَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْأَرْضِ . فَخَرَجَ سَلْمَانُ يَسْمَعُ مِنْهُمْ ، فَرَجَعَ يَوْمًا حَزِينًا ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ : مَا لَكَ يَا سَلْمَانُ ؟ قَالَ : أَرَى الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدْ ذَهَبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ ! فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ : يَا سَلْمَانُ لَا تَحْزَنُ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ نَبِيٌّ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ بِأَفْضَلَ تَبَعًا مِنْهُ ، وَهَذَا زَمَانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ ، وَلَا أَرَانِي أُدْرِكُهُ ، وَأَمَّا أَنْتَ فَشَابٌّ لَعَلَّكَ أَنْ تُدْرِكَهُ ، وَهُوَ يَخْرُجُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ فَآمِنْ بِهِ وَاتَّبِعْهُ . فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَلَامَتِهِ بِشَيْءٍ .
قَالَ : نَعَمْ ، هُوَ مَخْتُومٌ فِي ظَهْرِهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ ، وَهُوَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ . ثُمَّ رَجَعَا حَتَّى بَلَغَا مَكَانَ الْمُقْعَدِ ، فَنَادَاهُمَا فَقَالَ : يَا سَيِّدَ الرُّهْبَانِ ، ارْحَمْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ ! فَعَطَفَ إِلَيْهِ حِمَارَهُ ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَفْعَهُ ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ وَدَعَا لَهُ وَقَالَ : قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ! فَقَامَ صَحِيحًا يَشْتَدُّ ، فَجَعَلَ سَلْمَانُ يَتَعَجَّبُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ يَشْتَدُّ . وَسَارَ الرَّاهِبُ فَتَغَيَّبَ عَنْ سَلْمَانَ ، وَلَا يَعْلَمُ سَلْمَانُ .
ثُمَّ إِنْ سَلْمَانَ فَزِعَ فَطَلَبَ الرَّاهِبَ . فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ كَلْبٍ ، فَسَأَلَهُمَا : هَلْ رَأَيْتُمَا الرَّاهِبَ ؟ فَأَنَاخَ أَحَدُهُمَا رَاحِلَتَهُ ، قَالَ : نَعَمْ رَاعِي الصِّرْمَةِ هَذَا ! فَحَمَلَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ . قَالَ سَلْمَانُ : فَأَصَابَنِي مِنَ الْحُزْنِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ .
فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ فَكَانَ يَرْعَى عَلَيْهَا هُوَ وَغُلَامٌ لَهَا يَتَرَاوَحَانِ الْغَنَمَ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا ، فَكَانَ سَلْمَانُ يَجْمَعُ الدَّرَاهِمَ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَرْعَى ، إِذْ أَتَاهُ صَاحِبُهُ الَّذِي يَعْقُبُهُ ، فَقَالَ : أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ الْيَوْمَ الْمَدِينَةَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : أَقِمْ فِي الْغَنَمِ حَتَّى آتِيَكَ . فَهَبَطَ سَلْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَارَ حَوْلَهُ .
فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مَا يُرِيدُ ، فَأَرْسَلَ ثَوْبَهُ حَتَّى خَرَجَ خَاتَمُهُ ، فَلِمَا رَآهُ أَتَاهُ وَكَلَّمَهُ . ثُمَّ انْطَلَقَ فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ ، بِبَعْضِهِ شَاةً وَبِبَعْضِهِ خُبْزًا ، ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ . فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ سَلْمَانُ : هَذِهِ صَدَقَةٌ قَالَ : لَا حَاجَةَ لِي بِهَا ، فَأَخْرِجْهَا فَلْيَأْكُلْهَا الْمُسْلِمُونَ .
ثُمَّ انْطَلَقَ فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ آخَرَ خُبْزًا وَلَحْمًا ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : هَذِهِ هَدِيَّةٌ . قَالَ : فَاقْعُدْ [ فَكُلْ ] فَقَعَدَ فَأَكَلَا جَمِيعًا مِنْهَا . فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ فَقَالَ : كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيُؤَمِنُونَ بِكَ ، وَيَشْهَدُونَ أَنَّكَ سَتُبْعَثُ نَبِيًّا .
فَلَمَّا فَرَغَ سَلْمَانُ مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ ، قَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا سَلْمَانُ ، هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ . فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَانَ ، وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ : لَوْ أَدْرَكُوكَ صَدَّقُوكَ وَاتَّبَعُوكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . فَكَانَ إِيمَانُ الْيَهُودِ : أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّةِ مُوسَى ، حَتَّى جَاءَ عِيسَى .
فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخَذَ بِسُنَّةِ مُوسَى - فَلَمْ يَدَعْهَا وَلَمْ يَتَّبِعْ عِيسَى - كَانَ هَالِكًا . وَإِيمَانُ النَّصَارَى : أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِعِ عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنْهُ ، حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ وَيَدَعْ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ عِيسَى وَالْإِنْجِيلِ - كَانَ هَالِكًا . 1113 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا الْآيَةُ .
قَالَ سَأَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُولَئِكَ النَّصَارَى وَمَا رَأَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، قَالَ : لَمْ يَمُوتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ سَلْمَانُ : فَأَظْلَمَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ ، وَذَكَرْتُ اجْتِهَادَهُمْ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا . فَدَعَا سَلْمَانَ فَقَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِكَ .
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَاتَ عَلَى دِينِ عِيسَى وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ بِي ، فَهُوَ عَلَى خَيْرٍ ; وَمَنْ سَمِعَ بِي الْيَوْمَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِي فَقَدْ هَلَكَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا : - 1114 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ إِلَى قَوْلِهِ : وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ آلِ عِمْرَانَ : 85 ] وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَانَ قَدْ وَعَدَ مَنْ عَمِلَ صَالَحًا - مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ - عَلَى عَمَلِهِ ، فِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالَّذِينَ هَادُوا ، وَالنَّصَارَى ، وَالصَّابِئِينَ - مَنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ - فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . وَالَّذِي قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخَصِّصْ - بِالْأَجْرِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَعَ الْإِيمَانِ - بَعْضَ خَلْقِهِ دُونَ بَعْضٍ مِنْهُمْ ، وَالْخَبَرُ بِقَوْلِهِ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، عَنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ .