الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى ذَلِكَ : قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ؟ أَيْ لَوْنَ الْبَقَرَةِ الَّتِي أَمَرْتَنَا بِذَبْحِهَا . وَهَذَا أَيْضًا تَعَنُّتٌ آخَرٌ مِنْهُمْ بَعْدَ الْأَوَّلِ ، وَتَكَلُّفُ طَلَبِ مَا قَدْ كَانُوا كُفُوهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الْآخِرَةِ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا حَصَرُوا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ - إِذْ قِيلَ لَهُمْ بَعْدَ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ حِلْيَةِ الْبَقَرَةِ الَّتِي كَانُوا أُمِرُوا بِذَبْحِهَا ، فَأَبَوْا إِلَّا تَكَلُّفَ مَا قَدْ كُفُوهُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ عَنْ صِفَتِهَا ، فَحُصِرُوا عَلَى نَوْعٍ دُونَ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ ، عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى مَسْأَلَتِهِمُ الَّتِي سَأَلُوهَا نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَعَنُّتًا مِنْهُمْ لَهُ .
ثُمَّ لَمْ يَحْصُرْهُمْ عَلَى لَوْنٍ مِنْهَا دُونَ لَوْنٍ ، فَأَبَوْا إِلَّا تَكَلُّفَ مَا كَانُوا عَنْ تَكَلُّفِهِ أَغْنِيَاءَ ، فَقَالُوا - تَعَنُّتًا مِنْهُمْ لِنَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا فَقِيلَ لَهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ : إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ . فَحُصِرُوا عَلَى لَوْنٍ مِنْهَا دُونَ لَوْنٍ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ الْبَقَرَةَ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ بِذَبْحِهَا صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ، أَيُّ شَيْءٍ لَوْنُهَا ؟ فَلِذَلِكَ كَانَ اللَّوْنُ مَرْفُوعًا ، لِأَنَّهُ مُرَافَعُ مَا . وَإِنَّمَا لَمْ يُنْصَبْ مَا بِقَوْلِهِ يُبَيِّنْ لَنَا ، لِأَنَّ أَصْلَ أَيْ وَ مَا ، جَمْعُ مُتَفَرِّقِ الِاسْتِفْهَامِ . يَقُولُ الْقَائِلُ بَيِّنْ لَنَا أَسَوْدَاءُ هَذِهِ الْبَقَرَةُ أَمْ صَفْرَاءُ ؟ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : بَيِّنْ لَنَا أَنْ يَقَعَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ مُتَفَرِّقًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقَعَ عَلَى أَيْ ، لِأَنَّهُ جَمَعَ ذَلِكَ الْمُتَفَرِّقَ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَظَائِرِهِ فَالْعَمَلُ فِيهِ وَاحِدٌ ، فِي مَا وَ أَيْ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( صَفْرَاءُ ) . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ سَوْدَاءُ شَدِيدَةُ السَّوَادِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ : 1218 - حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُودٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا ، قَالَ : سَوْدَاءُ شَدِيدَةُ السَّوَادِ . 1219 - حَدَّثَنِي أَبُو زَائِدَةَ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ . وَالْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءَ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ .
1223 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هِيَ صَفْرَاءُ . 1224 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا ، قَالَ : لَوْ أَخَذُوا بَقَرَةً صَفْرَاءَ لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( صَفْرَاءُ ) ، يَعْنِي بِهِ سَوْدَاءَ ، ذَهَبَ إِلَى قَوْلِهِ فِي نَعْتِ الْإِبِلِ السُّودِ : هَذِهِ إِبِلٌ صُفْرٌ ، وَهَذِهِ نَاقَةٌ صَفْرَاءُ يَعْنِي بِهَا سَوْدَاءُ .
وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ لِأَنَّ سَوَادَهَا يَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابَيْ هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : هُنَّ صُفْرٌ هُنَّ سُودٌ وَذَلِكَ إِنْ وُصِفَتِ الْإِبِلُ بِهِ ، فَلَيْسَ مِمَّا تُوصَفُ بِهِ الْبَقَرُ . مَعَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَصِفُ السَّوَادَ بِالْفُقُوعِ ، وَإِنَّمَا تَصِفُ السَّوَادَ - إِذَا وَصَفَتْهُ بِالشِّدَّةِ - بِالْحُلُوكَةِ وَنَحْوِهَا ، فَتَقُولُ : هُوَ أَسْوَدُ حَالِكٌ وَحَانِكٌ وَحُلْكُوكٌ ، وَأَسْوَدُ غِرْبِيبٌ وَدَجُوجِيٌّ - وَلَا تَقُولُ : هُوَ أَسْوَدُ فَاقِعٌ . وَإِنَّمَا تَقُولُ : هُوَ أَصْفَرُ فَاقِعٌ .
فَوَصْفُهُ إِيَّاهُ بِالْفُقُوعِ ، مِنَ الدَّلِيلِ الْبَيِّنِ عَلَى خِلَافِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ الْمُتَأَوِّلُ ، بِأَنَّ مَعْنَاهُ سَوْدَاءُ شَدِيدَةُ السَّوَادِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَاقِعٌ لَوْنُهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي خَالِصٌ لَوْنُهَا . وَ الْفُقُوعُ فِي الصُّفْرِ ، نَظِيرُ النُّصُوعِ فِي الْبَيَاضِ ، وَهُوَ شِدَّتُهُ وَصَفَاؤُهُ ، كَمَا : - 1225 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ ، قَالَ قَتَادَةُ : ( فَاقِعٌ لَوْنُهَا ) ، هِيَ الصَّافِي لَوْنُهَا .
1232 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا : ( تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِنْ جِلْدِهَا . 1233 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ( تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) ، قَالَ : تُعْجِبُ النَّاطِرِينَ .