الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حُكْمِ الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ : هِيَ وَاوٌ تُجْعَلُ مَعَ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ : أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ [ الْبَقَرَةِ : 87 ] ، قَالَ : وَهُمَا زَائِدَتَانِ فِي هَذَا الْوَجْهِ ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : فَاللَّهَ لِتَصْنَعَنَّ كَذَا وَكَذَا ، وَكَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ : أَفَلَا تَقُومُ ؟ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْفَاءَ وَ الْوَاوَ هَاهُنَا حَرْفَ عَطْفٍ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : هِيَ حَرْفُ عَطْفٍ أُدْخِلَ عَلَيْهَا حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ .
وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ أَنَّهَا وَاوُ عَطْفٍ ، أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ ، كَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ، وَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، ثُمَّ أَدْخَلَ أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى وَكُلَّمَا فَقَالَ : قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ، أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَرْفٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَةِ الْبَيَانِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَاوَ وَ الْفَاءَ مِنْ قَوْلِهِ : ( أَوَكُلَّمَا ) وَ ( أَفَكُلَّمَا ) زَائِدَتَانِ لَا مَعْنَى لَهُمَا . وَأَمَّا الْعَهْدُ ، فَإِنَّهُ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَعْطَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ رَبَّهُمْ لَيَعْمَلُنَّ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، ثُمَّ نَقَضَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَوَبَّخَهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ ذَلِكَ ، وَعَيَّرَ بِهِ أَبْنَاءَهُمْ إِذْ سَلَكُوا مِنْهَاجَهُمْ فِي بَعْضِ مَا كَانَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ ، فَكَفَرُوا وَجَحَدُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَعْتِهِ وَصَفَتِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَوَكُلَّمَا عَاهَدَ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّهُمْ عَهْدًا وَأَوْثَقُوهُ مِيثَاقًا ، نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، فَتَرَكَهُ وَنَقَضَهُ؟ كَمَا : - 1639 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ - حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ ، وَمَا عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِيهِ - : وَاللَّهِ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا أَخَذَ لَهُ عَلَيْنَا مِيثَاقًا! فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾.
1640 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا النَّبْذُ فَإِنَّ أَصْلَهُ - فِي كَلَامِ الْعَرَبِ - الطَّرْحُ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلْقُوطِ : الْمَنْبُوذُ ؛ لِأَنَّهُ مَطْرُوحٌ مَرْمِيٌّ بِهِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّبِيذُ نَبِيذًا ، لِأَنَّهُ زَبِيبٌ أَوْ تَمْرٌ يُطْرَحُ فِي وِعَاءٍ ، ثُمَّ يُعَالَجُ بِالْمَاءِ . وَأَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ ، أَعْنِي أَنَّ النَّبِيذَ أَصْلُهُ مَنْبُوذٌ ثُمَّ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ فَقِيلَ : نَبِيذٌ ، كَمَا قِيلَ : كَفٌّ خَضِيبٌ ، وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ - يَعْنِي : مَخْضُوبَةٌ وَمَدْهُونَةٌ .
يُقَالُ مِنْهُ : نَبَذْتُهُ أَنْبِذُهُ نَبْذًا ، كَمَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ : نَظَرْتَ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنَبَذْتَهُ كَنَبْذِكَ نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، طَرَحَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، فَتَرَكَهُ وَرَفَضَهُ وَنَقَضَهُ . كَمَا : - 1641 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( نَبْذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) يَقُولُ : نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . 1642 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : ( نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) ، قَالَ : لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ عَهْدٌ يُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ إِلَّا نَقَضُوهُ ، وَيُعَاهِدُونَ الْيَوْمَ ، وَيَنْقُضُونَ غَدًا .
قَالَ : وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) . وَ الْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( نَبَذَهُ ) ، مِنْ ذِكْرِ الْعَهْدِ ، فَمَعْنَاهُ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . وَ الْفَرِيقُ الْجَمَاعَةُ ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ، بِمَنْزِلَةِ الْجَيْشِ وَ الرَّهْطِ الَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ .
وَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ : ( فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) : مِنْ ذِكِرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ - الَّذِينَ كُلَّمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَهْدًا وَوَاثَقُوهُ مَوْثِقًا ، نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ - لَا يُؤْمِنُونَ . وَلِذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ دِلَالَةً عَلَى الزِّيَادَةِ وَالتَّكْثِيرِ فِي عَدَدِ الْمُكَذِّبِينَ النَّاقِضِينَ عَهْدَ اللَّهِ ، عَلَى عَدَدِ الْفَرِيقِ .
فَيَكُونُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ : أَوَكُلَّمَا عَاهَدَتِ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّهَا عَهْدًا نَقَضَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْعَهْدَ؟ لَا - مَا يَنْقَضُ ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَنْقَضُ ذَلِكَ فَيَكْفُرُ بِاللَّهِ ، أَكْثَرُهُمْ ، لَا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ . فَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْهِ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : أَوَكُلَّمَا عَاهَدَتِ الْيَهُودُ رَبَّهَا عَهْدًا ، نَبَذَ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ؟ لَا - مَا يَنْبِذُ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَيَنْقُضُهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمْ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَلَا وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْإِيمَانِ ، وَأَنَّهُ التَّصْدِيقُ .