حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَّبُوا بِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ ، وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ، يَعْنِي : وَمَاتُوا وَهُمْ عَلَى جُحُودِهِمْ ذَلِكَ وَتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ ، يَعْنِي : فَأُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ، يَقُولُ : أَبْعَدَهُمُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَالْمَلَائِكَةِ ، يَعْنِي وَلَعْنَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ . وَلَعْنَةُ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ إِيَّاهُمْ قَوْلُهُمْ : عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى اللَّعْنَةِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ تَكُونُ عَلَى الَّذِي يَمُوتُ كَافِرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ لَعْنَةُ النَّاسِ أَجْمَعِينَ ] مِنْ أَصْنَافِ الْأُمَمِ ، وَأَكْثَرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَيُصَدِّقُهُ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ خَاصَّةً ، دُونَ سَائِرِ الْبَشَرِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2392 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، يَعْنِي : بِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ ، الْمُؤْمِنِينَ . 2393 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، يَعْنِي بِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ ، الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يُوقَفُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ الْكَافِرُ فَيَلْعَنُهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2394 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : أَنَّ الْكَافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ كَائِنًا مَنْ كَانَ : لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمَ ، فَيَلْحَقُ ذَلِكَ كُلَّ كَافِرٍ ، لِأَنَّهُ مِنَ الظَّلَمَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2395 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَلَاعَنُ اثْنَانِ مُؤْمِنَانِ وَلَا كَافِرَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمَ ، إِلَّا وَجَبَتْ تِلْكَ اللَّعْنَةُ عَلَى الْكَافِرِ ، لِأَنَّهُ ظَالِمٌ ، فَكُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ يَلْعَنُهُ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ جَمِيعَ النَّاسِ ، بِمَعْنَى لَعْنِهِمْ إِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِمْ : لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمَ - أَوِ الظَّالِمِينَ . فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ قِيلِ ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَمِنْ أَيِّ أَهْلِ مِلَّةٍ كَانَ ، فَيُدْخَلُ بِذَلِكَ فِي لَعْنَتِهِ كُلُّ كَافِرٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ . وَذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ .

لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَمَّنْ شَهْدَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُمْ فَقَالَ : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ هُودٍ : 18 ] وَأَمَّا مَا قَالَهُ قَتَادَةُ ، مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ بَعْضَ النَّاسِ ، فَقَوْلُ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ بِخِلَافِهِ ، وَلَا بِرِهَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ خَبَرٍ وَلَا نَظَرٍ . فَإِنْ كَانَ ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَلْعَنُونَ أَنْفُسَهُمْ وَلَا أَوْلِيَاءَهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُمْ فِي الْآخِرَةِ . وَمَعْلُومٌ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَ الظَّلَمَةَ ، وَدَاخِلٌ فِي الظَّلَمَةِ كُلُّ كَافِرٍ ، بِظُلْمِهِ نَفْسَهُ ، وَجُحُودِهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ ، وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ .

موقع حَـدِيث