حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ فِي إِنْشَاءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَابْتِدَاعِهِمَا . وَمَعْنَى خَلْقِ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ : ابْتِدَاعُهُ وَإِيجَادُهُ إِيَّاهَا ، بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ : الْأَرْضِ ، وَلَمْ تُجْمَعْ كَمَا جُمِعَتِ السَّمَاوَاتُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا فَيُقَالُ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ؟ قِيلَ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ .

فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَهَا خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا . واعتلُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَبِالَّتِي فِي سُورَةِ : الْكَهْفِ : مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 51 ] وَقَالُوا : لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَاللَّهُ لَهُ مُرِيدٌ . قَالُوا : فَالْأَشْيَاءُ كَانَتْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ ، وَالْإِرَادَةُ خَلْقٌ لَهَا .

وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْقُ الشَّيْءِ صِفَةٌ لَهُ ، لَا هِيَ هُوَ ، وَلَا غَيْرُهُ . قَالُوا : لَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مَوْصُوفًا . قَالُوا : وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَلْقُهُ غَيْرَهُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا ، لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَهُ صِفَةٌ هِيَ لَهُ خَلْقٌ .

وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ نِهَايَةً . قَالُوا : فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلشَّيْءِ . قَالُوا : فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ صِفَةٌ لَهُمَا ، عَلَى مَا وَصَفْنَا .

وَاعْتَلُّوا أَيْضًا - بِأَنَّ لِلشَّيْءِ خَلْقًا لَيْسَ هُوَ بِهِ - مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِنَحْوِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَخَلْقُ كُلِّ مَخْلُوقٍ ، هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُهُ . فَمَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَتَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ . وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الِافْتِعَالُ مِنْ خُلُوفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 62 ] . بِمَعْنَى : أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخْلِفُ مَكَانَ صَاحِبِهِ ، إِذَا ذَهَبَ اللَّيْلُ جَاءَ النَّهَارُ بَعْدَهُ ، وَإِذَا ذَهَبَ النَّهَارُ جَاءَ اللَّيْلُ خَلْفَهُ .

وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي أَهْلِهِ بِسُوءٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ : بِهَا الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ وَأَمَّا اللَّيْلُ . فَإِنَّهُ جَمْعُ لَيْلَةٍ ، نَظِيرُ التَّمْرِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ تَمْرَةٍ . وَقَدْ يُجْمَعُ لَيَالٍ ، فَيَزِيدُونَ فِي جَمْعِهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدَتِهَا .

وَزِيَادَتُهُمُ الْيَاءَ فِي ذَلِكَ نَظِيرُ زِيَادَتِهِمْ إِيَّاهَا فِي رُبَاعِيَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَكَرَاهِيَةٍ . وَأَمَّا النَّهَارَ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَجْمَعُهُ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الضَّوْءِ . وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعِهِ النُّهُرُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : لَوْلَا الثَّرِيدانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ ثَرِيدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ وَلَوْ قِيلَ فِي جَمْعِ قَلِيلِهِ أَنَهِرَةٌ كَانَ قِيَاسًا .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ فِي الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ . وَ الْفُلْكِ هُوَ السُّفُنُ ، وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَذْكِيرِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى : ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [ سُورَةُ يَس : 41 ] ، فَذَكَرَهُ . وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ، وَهِيَ مُجْرَاةٌ ، لِأَنَّهَا إِذَا أُجْرِيَتْ فَهِيَ الْجَارِيَةُ ، فَأُضِيفَ إِلَيْهَا مِنَ الصِّفَةِ مَا هُوَ لَهَا .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْبَحْرِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ، وَفِي مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ . وَقَوْلُهُ : فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَإِحْيَاؤُهَا : عِمَارَتُهَا ، وَإِخْرَاجُ نَبَاتِهَا .

وَ الْهَاءُ الَّتِي فِي بِهِ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَاءِ وَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ : بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى الْأَرْضِ . وَ مَوْتُ الْأَرْضِ ، خَرَابُهَا ، وَدُثُورُ عِمَارَتِهَا ، وَانْقِطَاعُ نَبَاتِهَا ، الَّذِي هُوَ لِلْعِبَادِ أَقْوَاتٌ ، وَلِلْأَنَامِ أَرْزَاقٌ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَإِنَّ فِيمَا بَثَّ فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ .

وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَبَثَّ فِيهَا ، وَفَرَّقَ فِيهَا ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : بَثَّ الْأَمِيرُ سَرَايَاهُ ، يَعْنِي : فَرَّقَ . وَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ : فِيهَا ، عَائِدَتَانِ عَلَى الْأَرْضِ . وَالدَّابَّةُ الْفَاعِلَةُ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدِبُّ دَبِيبًا فَهِيَ دَابَّةٌ .

وَالدَّابَّةُ ، اسْمٌ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ كَانَ غَيْرَ طَائِرٍ بِجَنَاحَيْهِ ، لِدَبِيبِهِ عَلَى الْأَرْضِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ، وَفِي تَصْرِيفِهِ الرِّيَاحَ ، فَأَسْقَطَ ذِكْرَ الْفَاعِلِ وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ ، كَمَا تَقُولُ : يُعْجِبُنِي إِكْرَامُ أَخِيكَ ، تُرِيدُ : إِكْرَامُكَ أَخَاكَ . وَتَصْرِيفِ اللَّهِ إِيَّاهَا ، أَنْ يُرْسِلَهَا مَرَّةً لَوَاقِحَ ، وَمَرَّةً يَجْعَلُهَا عَقِيمًا ، وَيَبْعَثُهَا عَذَابًا تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ، كَمَا : - 2405 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ قَالَ : قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ ، إِذَا شَاءَ [ جَعَلَهَا رَحْمَةً لَوَاقِحَ لِلسَّحَابِ وَنَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ، وَإِذَا شَاءَ ] جَعَلَهَا عَذَابًا رِيحًا عَقِيمًا لَا تُلَقِّحُ ، إِنَّمَا هِيَ عَذَابٌ عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ .

وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ، أَنَّهَا تَأْتِي مَرَّةً جَنُوبًا وَشَمَالًا وَقُبُولًا وَدُبُورًا . ثُمَّ قَالَ : وَذَلِكَ تَصْرِيفُهَا . وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفَ الرِّيَاحَ بِهَا ، صِفَةُ تَصَرُّفِهَا لَا صِفَةُ تَصْرِيفِهَا ، لِأَنَّ تَصْرِيفَهَا تَصْرِيفُ اللَّهِ لَهَا ، وَتَصَرُّفُهَا اخْتِلَافُ هُبُوبِهَا .

وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ، تَصْرِيفُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ هُبُوبَ الرِّيحِ بِاخْتِلَافِ مَهابِّهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ ، وَفِي السَّحَابِ ، جَمْعُ سَحَابَةٍ . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 12 ] فَوَحَّدَ الْمُسَخَّرَ وَذَكَّرَهُ ، كَمَا قَالُوا : هَذِهِ تَمْرَةٌ وَهَذَا تَمْرٌ كَثِيرٌ .

فِي جَمْعِهِ ، وَهَذِهِ نَخْلَةٌ وَهَذَا نَخْلٌ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلسَّحَابِ سَحَابٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لِجَرِّ بَعْضِهِ بَعْضًا وَسَحْبِهِ إِيَّاهُ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : مَرَّ فُلَانٌ يَجُرُّ ذَيْلَهُ ، يَعْنِي : يَسْحَبُهُ . فَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : لَآيَاتٍ ، فَإِنَّهُ عَلَامَاتٌ وَدَلَّالَاتٌ عَلَى أَنَّ خَالِقَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمُنْشِئَهُ ، إِلَهٌ وَاحِدٌ .

لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، لِمَنْ عَقَلَ مَوَاضِعَ الْحُجَجِ ، وَفَهِمَ عَنِ اللَّهِ أَدِلَّتَهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ . فَأَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ ، بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ وَالْحُجَجَ إِنَّمَا وُضِعَتْ مُعْتَبَرًا لِذَوِي الْعُقُولِ وَالتَّمْيِيزِ ، دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ ، إِذْ كَانُوا هُمُ الْمَخْصُوصِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَالْمُكَلَّفِينَ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ ، وَلَهُمُ الثَّوَابُ ، وَعَلَيْهِمُ الْعِقَابُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْآيَةَ ، فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَصْنَافًا مِنْ أَصْنَافِ الْكَفَرَةِ تَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَسَائِرُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَخْلُوقَةً ؟ قِيلَ : إِنَّ إِنْكَارَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ دَافِعٍ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، دَلِيلًا عَلَى خَالِقِهِ وَصَانِعِهِ ، وَأَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَا يُشْبِهُهُ [ شَيْءٌ ] ، وَبَارِئًا لَا مِثْلَ لَهُ .

وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَاجَّ بِذَلِكَ قَوْمًا كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ . فَحَاجَّهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ - إِذْ أَنْكَرُوا قَوْلَهُ : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ شُرَكَاءَ مِنَ الْآلِهَةِ - : [ إِنَّ إِلَهَكُمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَأَجْرَى فِيهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَكُمْ بِأَرْزَاقِكُمْ دَائِبَيْنِ فِي سَيْرِهِمَا . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ] وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ - وأَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَأَخْصَبَ بِهِ جَنَابَكُمْ بَعْدَ جُدُوبِهِ ، وَأَمْرَعَهُ بَعْدَ دُثُورِهِ ، فَنَعَشَكُمْ بِهِ بَعْدَ قُنُوطِكُمْ - ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا - وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ فِيهَا لَكُمْ مَطَاعِمُ وَمَآكِلُ ، وَمِنْهَا جَمَالٌ وَمَرَاكِبُ ، وَمِنْهَا أَثَاثٌ وَمَلَابِسُ - وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ - وَأَرْسَلَ لَكُمُ الرِّيَاحَ لِوَاقِحَ لِأَشْجَارِ ثِمَارِكُمْ وَغِذَائِكُمْ وَأَقْوَاتِكُمْ ، وَسَيَّرَ لَكُمُ السَّحَابَ الَّذِي بِوَدْقِهِ حَيَاتُكُمْ وَحَيَاةُ نَعَمِكُمْ وَمَوَاشِيكُمْ - وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ .

فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ إِلَهَهُمْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ ، وَتَفَرَّدَ لَهُمْ بِهَا . ثُمَّ قَالَ : هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَتُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ ، وَتَجْعَلُوهُ لِي نِدًّا وَعَدْلًا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَفِي الَّذِي عَدَّدْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَتِي ، وَتَفَرَّدْتُ لَكُمْ بِأَيَادِيَّ ، دَلَالَاتٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ مَوَاقِعَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْجَوْرِ وَالْإِنْصَافِ . وَذَلِكَ أَنَّى لَكُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْكُمْ مُتَفَرِّدٌ دُونَ غَيْرِي ، وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لِي فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ أَنْدَادًا .

فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ . وَالَّذِينَ ذُكِّرُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِهَا ، هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ ، دُونَ الْمُعَطِّلَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْغَرِ مَا عَدَّ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، مِنَ الْحُجَجِ الْبَالِغَةِ ، الْمَقْنَعُ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ ، تَرَكْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ ، كَرَاهَةَ إِطَالَةِ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِ .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 1642 قراءة

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    شَاكِرٌ لا يخفى لورش ، وكذلك وَأَصْلَحُوا . عَلَيْهِمْ ضم الهاء حمزة ويعقوب في الحالين . الرِّيَاحِ قرأ الأصحاب بإسكان الياء وحذف الألف بعدها على الإفراد ، وغيرهم بفتح الياء وألف بعدها على الجمع . وَلَوْ يَرَى قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة . إِذْ يَرَوْنَ قرأ الشامي بضم الياء ، والباقون بفتحها . أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ قرأ أبو جعفر ويعقوب بكسر الهمزة فيهما ، والباقون بفتحها فيهما . تَبَرَّأَ لحمزة عند الوقف عليه وجه واحد ، وهو إبدال الهمزة ألفا وكذلك فَنَتَبَرَّأَ عند الوقف . بِهِمُ الأَسْبَابُ حكمها حكم فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ . تَبَرَّءُوا فيه لورش ثلاثة البدل ، وفيه لحمزة عند الوقف وجهان التسهيل والحذف فيصير النطق بواو ساكنة بعد الراء . يُرِيهِمُ اللَّهُ قرأ البصري وصلا بكسر الهاء والميم ، وقرأ الأخوان وخلف ويعقوب بضمهما وصلا ، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وصلا ، وأما عند الوقف فكلهم يكسرون الهاء إلا يعقوب فيضمها . خُطُوَاتِ قرأ نافع والبزي والبصري وشعبة وحمزة وخلف بإسكان الطاء ، والباقون بضمها . يَأْمُرُكُمْ وقيل تقدم وكذلك الوقف على آبَاءَنَا ، و دُعَاءً ، وَنِدَاءً لحمزة . بِالسُّوءِ فيه لحمزة وهشام وقفا أربعة أوجه : النقل مع السكون والروم والإدغام معهما فهو مثل شيء المخفوض . آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا اجتمع فيه بدل ولين ففيه أربعة أوجه قصر البدل مع توسط اللين ثم توسطهما ثم مد البدل مع توسط اللين ومده ، وكذا الحكم في كل ما ماثله . الْمَيْتَةَ قرأ أبو جعفر بتشديد الياء ، والباقون بالتخفيف . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ البصريان وعاصم وحمزة بكسر النون وضم الطاء . وأبو جعفر بضم النون وكسر الطاء ، والباقون بضمهما معا ، ولا خلاف بينهم في ضم همزة الوصل ابتداء نظرا لضم الطاء ولا عبرة بكسرها عند أبي جعفر لعروضه ، فأبو جعفر يوافق غيره في ض

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ فتح الياء نافع وأبو جعفر وأسكنها الباقون . خَيْرُ الْمَاكِرِينَ رقق الراء ورش . إِلَيَّ معا وقف يعقوب عليها بهاء السكت وغيره يقف على الياء المشددة . فَيُوَفِّيهِمْ قرأ حفص ورويس بالياء التحتية والباقون بالنون وضم يعقوب الهاء . نَتْلُوهُ عَلَيْكَ وصل الهاء ابن كثير وحذف الصلة غيره . كُنْ فَيَكُونُ لا خلاف بين العشرة في رفع نون فيكون . لَعْنَتَ مرسوم بالتاء ووقف عليها بالهاء المكي والبصريان والكسائي والباقون بالتاء ، لَهُوَ أسكن الهاء قالون وأبو جعفر وأبو عمرو والكسائي ووقف عليها يعقوب بهاء السكت . لِمَ ، فَلِمَ وقف البزي عليهما بهاء السكت بخلف عنه وكذلك يعقوب ولكن بلا خلاف . هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ قرأ قالون والبصري وأبو جعفر بإثبات ألف بعد الهاء وهمزة مسهلة بينها وبين الألف . وقرأ ورش بحذف الألف بعد الهاء ، وتسهيل الهمزة بين بين . وله وجه آخر وهو إبدال الهمزة ألفا محضة وهي ساكنة فتجتمع مع النون الساكنة فيمد لأجل هذا مدا طويلا . وقرأ قنبل بحذف الألف مع تحقيق الهمزة . وقرأ البزي والشامي والكوفيون ويعقوب بإثبات الألف وهمزة محققة بعدها ، وهم على مراتبهم في المنفصل من المد والقصر . فيكون لقالون إثبات الألف والتسهيل مع القصر والمد كذلك دوري أبي عمرو . وللسوسى وأبي جعفر إثبات ألف والتسهيل مع القصر فقط - إذ لا مد لهما في المنفصل . وللبزي إثبات الألف وتحقيق الهمزة مع القصر فقط وكذلك يعقوب لأن مذهبهما قصر المنفصل ، ولابن عامر والكوفيين إثبات الألف وتحقيق الهمزة مع المد وكل على مذهبه في مقدار المد المنفصل ، وإذا ضممت هَؤُلاءِ إلى هَا أَنْتُمْ . يكون لقالون ودوري أبي عمرو ثلاثة أوجه : قصرهما معا ، ثم قصر هَا أَنْتُمْ مع مد هَؤُلاءِ ، نظرا لتغير سبب المد وهو الهمز بتسهيله ، ثم مدهما معا . ولا يجوز مد هَا أَنْتُمْ وقصر هَؤُلاءِ لما يلزم عليه من زيادة الضعيف على القوي . هذا ما يجب عليك معرفته في هذه الكلمة . وأما ما يتعلق بتوجيهها من أن الهاء فيها للتنبيه ، أو مبدلة عن همزة إلخ ما قالوه ، فقد قال فيه محقق الفن الإمام ابن الجزري إنه تمحل وتعسف لا طائل تحته ولا فائدة فيه ولذلك أضربنا عنه صفحا . وإذا وقف حمزة على هأنتم كان له ثلاثة أوجه : تحقيق الهمزة مع المد وتسهيلها مع المد والقصر وإذا وقف على هَؤُلاءِ كان له ثلاثة عشر وجها تحقيق الهمزة الأولى مع المد وعليه في الثانية خمسة أ

موقع حَـدِيث