الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ فِي إِنْشَاءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَابْتِدَاعِهِمَا . وَمَعْنَى خَلْقِ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ : ابْتِدَاعُهُ وَإِيجَادُهُ إِيَّاهَا ، بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ : الْأَرْضِ ، وَلَمْ تُجْمَعْ كَمَا جُمِعَتِ السَّمَاوَاتُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا فَيُقَالُ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ؟ قِيلَ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَهَا خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا . واعتلُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَبِالَّتِي فِي سُورَةِ : الْكَهْفِ : مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 51 ] وَقَالُوا : لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَاللَّهُ لَهُ مُرِيدٌ . قَالُوا : فَالْأَشْيَاءُ كَانَتْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ ، وَالْإِرَادَةُ خَلْقٌ لَهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْقُ الشَّيْءِ صِفَةٌ لَهُ ، لَا هِيَ هُوَ ، وَلَا غَيْرُهُ . قَالُوا : لَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مَوْصُوفًا . قَالُوا : وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَلْقُهُ غَيْرَهُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا ، لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَهُ صِفَةٌ هِيَ لَهُ خَلْقٌ .
وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ نِهَايَةً . قَالُوا : فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلشَّيْءِ . قَالُوا : فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ صِفَةٌ لَهُمَا ، عَلَى مَا وَصَفْنَا .
وَاعْتَلُّوا أَيْضًا - بِأَنَّ لِلشَّيْءِ خَلْقًا لَيْسَ هُوَ بِهِ - مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِنَحْوِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَخَلْقُ كُلِّ مَخْلُوقٍ ، هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُهُ . فَمَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَتَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ . وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الِافْتِعَالُ مِنْ خُلُوفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 62 ] . بِمَعْنَى : أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخْلِفُ مَكَانَ صَاحِبِهِ ، إِذَا ذَهَبَ اللَّيْلُ جَاءَ النَّهَارُ بَعْدَهُ ، وَإِذَا ذَهَبَ النَّهَارُ جَاءَ اللَّيْلُ خَلْفَهُ .
وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي أَهْلِهِ بِسُوءٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ : بِهَا الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ وَأَمَّا اللَّيْلُ . فَإِنَّهُ جَمْعُ لَيْلَةٍ ، نَظِيرُ التَّمْرِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ تَمْرَةٍ . وَقَدْ يُجْمَعُ لَيَالٍ ، فَيَزِيدُونَ فِي جَمْعِهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدَتِهَا .
وَزِيَادَتُهُمُ الْيَاءَ فِي ذَلِكَ نَظِيرُ زِيَادَتِهِمْ إِيَّاهَا فِي رُبَاعِيَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَكَرَاهِيَةٍ . وَأَمَّا النَّهَارَ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَجْمَعُهُ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الضَّوْءِ . وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعِهِ النُّهُرُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : لَوْلَا الثَّرِيدانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ ثَرِيدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ وَلَوْ قِيلَ فِي جَمْعِ قَلِيلِهِ أَنَهِرَةٌ كَانَ قِيَاسًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ فِي الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ . وَ الْفُلْكِ هُوَ السُّفُنُ ، وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَذْكِيرِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى : ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴾ [ سُورَةُ يَس : 41 ] ، فَذَكَرَهُ . وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ، وَهِيَ مُجْرَاةٌ ، لِأَنَّهَا إِذَا أُجْرِيَتْ فَهِيَ الْجَارِيَةُ ، فَأُضِيفَ إِلَيْهَا مِنَ الصِّفَةِ مَا هُوَ لَهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْبَحْرِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ، وَفِي مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ . وَقَوْلُهُ : فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَإِحْيَاؤُهَا : عِمَارَتُهَا ، وَإِخْرَاجُ نَبَاتِهَا .
وَ الْهَاءُ الَّتِي فِي بِهِ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَاءِ وَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ : بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى الْأَرْضِ . وَ مَوْتُ الْأَرْضِ ، خَرَابُهَا ، وَدُثُورُ عِمَارَتِهَا ، وَانْقِطَاعُ نَبَاتِهَا ، الَّذِي هُوَ لِلْعِبَادِ أَقْوَاتٌ ، وَلِلْأَنَامِ أَرْزَاقٌ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَإِنَّ فِيمَا بَثَّ فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَبَثَّ فِيهَا ، وَفَرَّقَ فِيهَا ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : بَثَّ الْأَمِيرُ سَرَايَاهُ ، يَعْنِي : فَرَّقَ . وَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ : فِيهَا ، عَائِدَتَانِ عَلَى الْأَرْضِ . وَالدَّابَّةُ الْفَاعِلَةُ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدِبُّ دَبِيبًا فَهِيَ دَابَّةٌ .
وَالدَّابَّةُ ، اسْمٌ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ كَانَ غَيْرَ طَائِرٍ بِجَنَاحَيْهِ ، لِدَبِيبِهِ عَلَى الْأَرْضِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ، وَفِي تَصْرِيفِهِ الرِّيَاحَ ، فَأَسْقَطَ ذِكْرَ الْفَاعِلِ وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ ، كَمَا تَقُولُ : يُعْجِبُنِي إِكْرَامُ أَخِيكَ ، تُرِيدُ : إِكْرَامُكَ أَخَاكَ . وَتَصْرِيفِ اللَّهِ إِيَّاهَا ، أَنْ يُرْسِلَهَا مَرَّةً لَوَاقِحَ ، وَمَرَّةً يَجْعَلُهَا عَقِيمًا ، وَيَبْعَثُهَا عَذَابًا تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ، كَمَا : - 2405 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ قَالَ : قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ ، إِذَا شَاءَ [ جَعَلَهَا رَحْمَةً لَوَاقِحَ لِلسَّحَابِ وَنَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ، وَإِذَا شَاءَ ] جَعَلَهَا عَذَابًا رِيحًا عَقِيمًا لَا تُلَقِّحُ ، إِنَّمَا هِيَ عَذَابٌ عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ .
وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ، أَنَّهَا تَأْتِي مَرَّةً جَنُوبًا وَشَمَالًا وَقُبُولًا وَدُبُورًا . ثُمَّ قَالَ : وَذَلِكَ تَصْرِيفُهَا . وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفَ الرِّيَاحَ بِهَا ، صِفَةُ تَصَرُّفِهَا لَا صِفَةُ تَصْرِيفِهَا ، لِأَنَّ تَصْرِيفَهَا تَصْرِيفُ اللَّهِ لَهَا ، وَتَصَرُّفُهَا اخْتِلَافُ هُبُوبِهَا .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ، تَصْرِيفُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ هُبُوبَ الرِّيحِ بِاخْتِلَافِ مَهابِّهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ ، وَفِي السَّحَابِ ، جَمْعُ سَحَابَةٍ . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 12 ] فَوَحَّدَ الْمُسَخَّرَ وَذَكَّرَهُ ، كَمَا قَالُوا : هَذِهِ تَمْرَةٌ وَهَذَا تَمْرٌ كَثِيرٌ .
فِي جَمْعِهِ ، وَهَذِهِ نَخْلَةٌ وَهَذَا نَخْلٌ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلسَّحَابِ سَحَابٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لِجَرِّ بَعْضِهِ بَعْضًا وَسَحْبِهِ إِيَّاهُ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : مَرَّ فُلَانٌ يَجُرُّ ذَيْلَهُ ، يَعْنِي : يَسْحَبُهُ . فَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : لَآيَاتٍ ، فَإِنَّهُ عَلَامَاتٌ وَدَلَّالَاتٌ عَلَى أَنَّ خَالِقَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمُنْشِئَهُ ، إِلَهٌ وَاحِدٌ .
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، لِمَنْ عَقَلَ مَوَاضِعَ الْحُجَجِ ، وَفَهِمَ عَنِ اللَّهِ أَدِلَّتَهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ . فَأَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ ، بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ وَالْحُجَجَ إِنَّمَا وُضِعَتْ مُعْتَبَرًا لِذَوِي الْعُقُولِ وَالتَّمْيِيزِ ، دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ ، إِذْ كَانُوا هُمُ الْمَخْصُوصِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَالْمُكَلَّفِينَ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ ، وَلَهُمُ الثَّوَابُ ، وَعَلَيْهِمُ الْعِقَابُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْآيَةَ ، فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَصْنَافًا مِنْ أَصْنَافِ الْكَفَرَةِ تَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَسَائِرُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَخْلُوقَةً ؟ قِيلَ : إِنَّ إِنْكَارَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ دَافِعٍ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، دَلِيلًا عَلَى خَالِقِهِ وَصَانِعِهِ ، وَأَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَا يُشْبِهُهُ [ شَيْءٌ ] ، وَبَارِئًا لَا مِثْلَ لَهُ .
وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَاجَّ بِذَلِكَ قَوْمًا كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ . فَحَاجَّهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ - إِذْ أَنْكَرُوا قَوْلَهُ : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ شُرَكَاءَ مِنَ الْآلِهَةِ - : [ إِنَّ إِلَهَكُمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَأَجْرَى فِيهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَكُمْ بِأَرْزَاقِكُمْ دَائِبَيْنِ فِي سَيْرِهِمَا . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ] وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ - وأَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَأَخْصَبَ بِهِ جَنَابَكُمْ بَعْدَ جُدُوبِهِ ، وَأَمْرَعَهُ بَعْدَ دُثُورِهِ ، فَنَعَشَكُمْ بِهِ بَعْدَ قُنُوطِكُمْ - ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا - وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ فِيهَا لَكُمْ مَطَاعِمُ وَمَآكِلُ ، وَمِنْهَا جَمَالٌ وَمَرَاكِبُ ، وَمِنْهَا أَثَاثٌ وَمَلَابِسُ - وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ - وَأَرْسَلَ لَكُمُ الرِّيَاحَ لِوَاقِحَ لِأَشْجَارِ ثِمَارِكُمْ وَغِذَائِكُمْ وَأَقْوَاتِكُمْ ، وَسَيَّرَ لَكُمُ السَّحَابَ الَّذِي بِوَدْقِهِ حَيَاتُكُمْ وَحَيَاةُ نَعَمِكُمْ وَمَوَاشِيكُمْ - وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ .
فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ إِلَهَهُمْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ ، وَتَفَرَّدَ لَهُمْ بِهَا . ثُمَّ قَالَ : هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَتُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ ، وَتَجْعَلُوهُ لِي نِدًّا وَعَدْلًا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَفِي الَّذِي عَدَّدْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَتِي ، وَتَفَرَّدْتُ لَكُمْ بِأَيَادِيَّ ، دَلَالَاتٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ مَوَاقِعَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْجَوْرِ وَالْإِنْصَافِ . وَذَلِكَ أَنَّى لَكُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْكُمْ مُتَفَرِّدٌ دُونَ غَيْرِي ، وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لِي فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ أَنْدَادًا .
فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ . وَالَّذِينَ ذُكِّرُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِهَا ، هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ ، دُونَ الْمُعَطِّلَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْغَرِ مَا عَدَّ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، مِنَ الْحُجَجِ الْبَالِغَةِ ، الْمَقْنَعُ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ ، تَرَكْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ ، كَرَاهَةَ إِطَالَةِ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِ .