الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَمَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَسَبِيلُ اللَّهِ طَرِيقُهُ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُسَلِّكَ فِيهِ إِلَى عَدُوِّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِجِهَادِهِمْ وَحَرْبِهِمْ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ - يَقُولُ : وَلَا تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعَوِّضُكُمْ مِنْهَا أَجْرًا وَيَرْزُقُكُمْ عَاجِلًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3144 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حُذَيْفَةَ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ : يَعْنِي فِي تَرْكِ النَّفَقَةِ .
3151 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعَّبٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ : كَانَ الْقَوْمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيَتَزَوَّدُ الرَّجُلُ ، فَكَانَ أَفْضَلَ زَادًا مِنَ الْآخَرِ . أَنْفَقَ الْبَائِسُ مِنْ زَادِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ زَادِهِ شَيْءٌ ، أَحَبَّ أَنَّ يُوَاسِيَ صَاحِبَهُ ، فأَنْزَلَ اللَّهُ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ . 3152 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيَّبَانُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ : لَا يَقُولُنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي لَا أَجِدُ شَيْئًا ، إِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مِشْقَصًا فَلْيَتَجَهَّزْ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
3153 - حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ : سَمِعْتُ دَاوُدَ - يَعْنِي : ابْنَ أَبِي هِنْدٍ - عَنْ عَامِرٍ : أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانَ احْتُبِسَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الرِّزْقِ ، وَكَانُوا قَدْ أَنْفَقُوا نَفَقَاتٍ ، قَالَ : فَسَاءَ ظَنُّهُمْ وَأَمْسَكُوا . قَالَ : فأَنْزَلَ اللَّهُ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ : وَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ سُوءَ ظَنِّهِمْ وَإِمْسَاكِهِمْ . 3154 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ : تَمْنَعُكُمْ نَفَقَةً فِي حِقٍّ خِيفَةُ الْعَيْلَةِ .
وَلَا تَسْتَسْلِمُوا وَلَا تُنْفِقُوا شَيْئًا فَتَهْلِكُوا . 3164 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : التَّهْلُكَةُ : أَنْ يُمْسِكَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ عَنِ النَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 3165 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فَتَدَعُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيَّةٌ بِهِ النَّفَقَةُ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فَتَخْرُجُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا قُوَّةٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3166 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ : إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ مَا تُنْفِقُ ، فَلَا تَخْرُجُ بِنَفْسِكَ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا قُوَّةٍ : فَتُلْقِي بِيَدَيْكَ إِلَى التَّهْلُكَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ - فِيمَا أَصَبْتُمْ مِنَ الْآثَامِ - إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فَتَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَلَكِنِ ارْجُوا رَحْمَتَهُ وَاعْمَلُوا الْخَيِّرَاتِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3167 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذُّنُوبَ فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، يَقُولُ : لَا تَوْبَةَ لِي . 3168 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : سَأَلَهُ رَجُلٌ : أَحْمِلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَحْدِي فَيَقْتُلُونِي ، أَكُنْتُ أَلْقَيْتُ بِيَدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ فَقَالَ : لَا إِنَّمَا التَّهْلُكَةُ فِي النَّفَقَةِ . بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ، فَقَالَ : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ [ سُورَةَ النِّسَاءِ : 84 ] .
3172 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ عَنِ الْجَرَّاحِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : قُلْتُ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : يَا أَبَا عِمَارَةَ الرَّجُلُ يَلْقَى أَلْفًا مِنَ الْعَدْوِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَحْدَهُ ، أَيَكُونُ مِمَّنْ قَالَ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ؟ فَقَالَ : لَا لِيُقَاتِلْ حَتَّى يُقْتَلَ! قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ . 3173 - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامٌ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : وَسَأَلْتُ عَبِيدَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْآيَةَ . فَقَالَ عَبِيدَةُ : كَانَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ - قَالَ : حَسِبْتُهُ قَالَ : الْعَظِيمَ - فَيُلْقِي بِيَدِهِ فَيَسْتَهْلِكُ زَادَ يَعْقُوبُ فِي حَدِيثِهِ : فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ، فَقِيلَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ .
3177 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ وَهِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَسْتَسْلِمُ ، يَقُولُ : لَا تَوْبَةَ لِي! فَيُلْقِي بِيَدِهِ . 3178 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ فِي الرَّجُلِ يُصِيبُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ فَيُلْقِي بِيَدِهِ ، وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا تَتْرُكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3179 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ : غَزَوْنَا الْمَدِينَةَ يُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ . قَالَ : فَصُفِفْنَا صَفَّيْنِ لَمْ أَرَ صَفَّيْنِ قَطُّ أَعْرَضَ وَلَا أَطْوَلَ مِنْهُمَا وَالرُّومُ مُلْصِقُونَ ظُهُورَهُمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ قَالَ : فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى الْعَدْوِ ، فَقَالَ النَّاسُ : مَهْ! لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، يُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ : إِنَّمَا تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَكَذَا ، أَنْ حَمَلَ رَجُلٌ يُقَاتِلُ يَلْتَمِسُ الشَّهَادَةَ ، أَوْ يُبْلِي مِنْ نَفْسِهِ! إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ! إِنَّا لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَهُ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ ، قُلْنَا بَيْنَنَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ خَفْيًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا قَدْ كُنَّا تَرْكَنَا أَهْلَنَا وَأَمْوَالَنَا أَنْ نُقِيمَ فِيهَا وَنُصْلِحَهَا حَتَّى نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَهُ ، هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا! فأَنْزَلَ اللَّهُ الْخَبَرَ مِنَ السَّمَاءِ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْآيَةَ ، فَالْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ : أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا ، وَنَدَعَ الْجِهَادَ . قَالَ أَبُو عِمْرَانَ : فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ .
3180 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ الْأَسَدِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَسْلَمُ أَبُو عِمْرَانَ مَوْلَى تُجِيبَ قَالَ : كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عَقَبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ قَالَ : وَصُفِفْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا مُقْبِلًا فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا : سُبْحَانَ اللَّهِ! أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ! وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ ! إِنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ وَكَثَّرَ نَاصِرِيهِ ، قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ : إِنْ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ ، فَلَوْ أَنَّا أَقَمْنَا فِيهَا ، فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا! فأَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا هَمَمْنَا بِهِ ، فَقَالَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بِالْإِقَامَةِ الَّتِي أَرَدْنَا أَنْ نُقِيمَ فِي الْأَمْوَالِ وَنُصْلِحَهَا ، فَأُمِرْنَا بِالْغَزْوِ . فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ بِقَوْلِهِ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَسَبِيلُهُ : طَرِيقُهُ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ وَأَوْضَحَهُ لَهُمْ .
وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي إِعْزَازِ دِينَيِ الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ ، بِجِهَادِ عَدُوِّكُمُ النَّاصِبِينَ لَكُمُ الْحَرْبَ عَلَى الْكُفْرِ بِي ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يُلْقُوا بِأَيْدِيهمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فَقَالَ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ . وَذَلِكَ مَثَلٌ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْمُسْتَسْلِمِ لِلْأَمْرِ : أَعْطَى فُلَانٌ بِيَدَيْهِ ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِلْمُمْكِنِ مِنْ نَفْسِهِ مِمَّا أُرِيدَ بِهِ : أَعْطَى بِيَدَيْهِ . فَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وَلَا تَسْتَسْلِمُوا لِلْهِلْكَةِ ، فَتُعْطُوهَا أَزِمَّتَكُمْ فَتَهْلِكُوا .
وَالتَّارِكُ النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، مُسْتَسْلِمٌ لِلْهِلْكَةِ بِتَرْكِهِ أَدَاءَ فَرْضِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ أَحَدَ سِهَامِ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ الثَّمَانِيَةِ فِي سَبِيلِهِ ، فَقَالَ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إِلَى قَوْلِهِ : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ سُورَةَ التَّوْبَةِ : 60 ] فَمَنْ تَرَكَ إِنْفَاقَ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى مَا لَزِمَهُ ، كَانَ لِلْهِلْكَةِ مُسْتَسْلِمًا ، وَبِيَدَيْهِ لِلتَّهْلُكَةِ مُلْقِيًا . وَكَذَلِكَ الْآيِسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لِذَنْبٍ سَلَفَ مِنْهُ ، مُلْقٍ بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( : 87 ] .
وَكَذَلِكَ التَّارِكُ غَزْوَ الْمُشْرِكِينَ وَجِهَادَهُمْ ، فِي حَالِ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فِي حَالِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ ، مُضَيِّعٌ فَرْضًا ، مُلْقٍ بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ . فَإِذْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا يَحْتَمِلُهَا قَوْلُهُ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصَّ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الْإِلْقَاءِ بِأَيْدِينَا لِمَا فِيهِ هَلَاكُنَا ، وَالِاسْتِسْلَامُ لِلْهِلْكَةِ - وَهِيَ الْعَذَابُ - بِتَرْكِ مَا لَزِمَنَا مِنْ فَرَائِضِهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ مِنَّا الدُّخُولُ فِي شَيْءٍ يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنَّا ، مِمَّا نَسْتَوْجِبُ بِدُخُولِنَا فِيهِ عَذَابَهُ . غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ : وَأَنْفِقُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِيهَا ، فَتَهْلِكُوا بِاسْتِحْقَاقِكُمْ - بِتَرْكِكُمْ ذَلِكَ - عَذَابِي .
كَمَا : 3181 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ : التَّهْلُكَةُ عَذَابُ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَيَكُونُ ذَلِكَ إِعْلَامًا مِنْهُ لَهُمْ - بَعْدَ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالنَّفَقَةِ - مَا لِمَنْ تَرَكَ النَّفَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِهِ ، منَ الْعُقُوبَةِ فِي الْمَعَادِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا وَجْهُ إِدْخَالِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ : أَلْقَيْتُ إِلَى فُلَانٍ دِرْهَمًا ، دُونَ أَلْقَيْتُ إِلَى فُلَانٍ بِدِرْهَمٍ ؟ قِيلَ : قَدْ قِيلَ إِنَّهَا زِيدَتْ نَحْوَ زِيَادَةِ الْقَائِلِ : الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : جَذَبْتُ بِالثَّوْبِ ، وَجَذَبْتُ الثَّوْبَ وَتَعَلَّقْتُ بِهِ وتَعلَّقْتَهُ ، وَ ( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) [ سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] وَإِنَّمَا هُوَ : تُنْبِتُ الدُّهْنَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ أَصْلٌ لِلْكُنْيَةِ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ وَاقِعٍ كُنِيَ عَنْهُ فَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهَا نَحْوَ قَوْلِكَ فِي رَجُلٍ كَلَّمْتَهُ فَأَرَدْتَ الْكِنَايَةَ عَنْ فِعْلِهِ ، فَإِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ قُلْتَ : فَعَلْتُ بِهِ قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ الْبَاءُ هِيَ الْأَصْلُ ، جَازَ إِدْخَالُ الْبَاءِ وَإِخْرَاجُهَا فِي كُلِّ فِعْلٍ سَبِيلُهُ سَبِيلُ كُنْيَتِهِ . وَأَمَّا التَّهْلُكَةُ فَإِنَّهَا التَّفْعُلَةُ مِنَ الْهَلَاكِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَأَحْسِنُوا أَحْسِنُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَدَاءِ مَا أَلْزَمْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي ، وَتَجَنُّبِ مَا أَمَرْتُكُمْ بِتَجَنُّبِهِ مِنْ مَعَاصِيَّ ، وَمِنَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِي ، وَعَوْدِ الْقَوِيِّ مِنْكُمْ عَلَى الضَّعِيفِ ذِي الْخَلَّةِ فَإِنِّي أُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فِي ذَلِكَ كَمَا : 3182 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِ : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قَالَ : أَدَاءُ الْفَرَائِضِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3183 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ : قَالَ : أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ ، يُبِرَّكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَحْسِنُوا بِالْعَوْدِ عَلَى الْمُحْتَاجِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3184 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ عُودُوا عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ .