الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : هَلْ يَنْظُرُ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ؟ . ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَالْمَلَائِكَةُ . فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ ، بِالرَّفْعِ ، عَطْفًا بِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عَلَى مَعْنَى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4032 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ - فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، قَالَ : تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، وَيَأْتِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا شَاءَ . 4033 - وَقَدْ حُدِّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ الْآيَةَ ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ : وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، كَقَوْلِهِ : ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُـزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْـزِيلا ﴾ [ الْفُرْقَانِ : 25 ] وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ بِالْخَفْضِ عَطْفًا بِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الظُّلَلِ ، بِمَعْنَى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَفِي الْمَلَائِكَةِ . وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ظُلَلٍ ، فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ : فِي ظُلَلٍ ، وَبَعْضُهُمْ : فِي ظِلَالٍ .
فَمَنْ قَرَأَهَا فِي ظُلَلٍ ، فَإِنَّهُ وَجَّهَهَا إِلَى أَنَّهَا جَمْع ظُلَّةٍ ، وَ الظُلَّةُ ، تُجْمَعُ ظُلَلٌ وَظِلَالٌ ، كَمَا تُجْمَعُ الْخُلَّةُ ، خُلَلٌ وَخِلَالٌ ، وَ الْجُلَّةُ ، جُلَلٌ وَجِلَالٌ . وَأَمَّا الَّذِي قَرَأَهَا فِي ظِلَالٍ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهَا جَمْعُ ظُلَّةٍ ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ جَمْعِهِمُ الْخَلَّةَ خِلَالٌ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَارِئُهُ كَذَلِكَ ، وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَمْعُ ظِلٍّ ؛ لِأَنَّ الظُّلَّةَ وَ الظِّلَّ قَدْ يُجْمَعَانِ جَمِيعًا ظِلَالًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، لِخَبَرٍ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ مِنَ الْغَمَامِ طَاقَاتٍ يَأْتِي اللَّهُ فِيهَا مَحْفُوفًا . فَدَلَّ بِقَوْلِهِ : طَاقَاتٍ ، عَلَى أَنَّهَا ظُلَلٌ لَا ظِلَالٌ ؛ لِأَنَّ وَاحِدَ الظُّلَلِ ظُلَّةٌ ، وَهِيَ الطَّاقُ وَاتِّبَاعًا لِخَطِّ الْمُصْحَفِ . وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ مَا اتَّفَقَتْ مَعَانِيهِ وَاخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ الْقَرَأَةُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ دَلَالَةٌ تَنْفَصِلُ بِهَا مِنَ الْأُخْرَى غَيْرَ اخْتِلَافِ خَطِّ الْمُصْحَفِ ، فَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تُؤْثَرَ قِرَاءَتُهُ مِنْهَا مَا وَافَقَ رَسْمَ الْمُصْحَفِ .
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي : وَالْمَلَائِكَةُ ، فَالصَّوَابُ بِالرَّفْعِ ، عَطْفًا بِهَا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عَلَى مَعْنَى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، وَإِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِيهِمْ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ [ الْفَجْرِ : 22 ] ، وَقَالَ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [ الْأَنْعَامِ : 158 ] فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى امْرِئٍ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) فَظَنَّ أَنَّهُ مُخَالِفٌ مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْلِهِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ : وَالْمَلَائِكَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِلَفْظِ جَمْعٍ ، وَفِي الْأُخْرَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ . فَإِنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ مِنَ الظَّنِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَكَ فِي قَوْلِهِ : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ ، وَمَعْنَى الْمَلَائِكَةِ . وَالْعَرَبُ تَذْكُرُ الْوَاحِدَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ ، فَتَقُولُ : فُلَانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ يُرَادُ بِهِ : الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَ هَلَكَ الْبَعِيرُ وَالشَّاةُ ، بِمَعْنَى جَمَاعَةُ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَالْمَلَكُ بِمَعْنَى الْمَلَائِكَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، وَهَلْ هُوَ مِنْ صِلَةِ فِعْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، أَوْ مِنْ صِلَةِ فِعْلِ الْمَلَائِكَةِ ، وَمَنِ الَّذِي يَأْتِي فِيهَا ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مِنْ صِلَةِ فِعْلِ اللَّهِ ، وَمَعْنَاهُ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، وَأَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4034 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، قَالَ : هُوَ غَيْرُ السَّحَابِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ حِينَ تَاهُوا ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 4035 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، قَالَ : يَأْتِيهِمُ اللَّهُ وَتَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ .
4036 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، قَالَ : طَاقَاتٌ مِنَ الْغَمَامِ ، وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : وَالْمَلَائِكَةُ بِالْمَوْتِ وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ هَذَا ، وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ قَوْلَهُ : فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ مِنْ صِلَةِ فِعْلِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهُ ، فَإِنَّهُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ عِكْرِمَةَ هَذَا فِي الْمَلَائِكَةِ الْخَفْضُ ؛ لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ الْآيَةَ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَّلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَفِي الْمَلَائِكَةِ ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ . هَذَا إِنْ كَانَ وَجَّهَ قَوْلَهُ : وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ ، إِلَى أَنَّهُمْ حَوْلَ الْغَمَامِ ، وَجَعَلَ الْهَاءَ فِي حَوْلِهِ مِنْ ذِكْرِ الْغَمَامِ .
وَإِنْ كَانَ وَجَّهَ قَوْلَهُ : وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ إِلَى أَنَّهُمْ حَوْلَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَجَعَلَ الْهَاءَ فِي حَوْلِهِ مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ عَزَّ جَلَّ ، فَقَوْلُهُ نَظِيرُ قَوْلِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ ، غَيْرُ مُخَالِفِهِمْ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَوْلُهُ : فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ مِنْ صِلَةِ فِعْلِ الْمَلَائِكَةِ ، وَإِنَّمَا تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فِيهَا ، وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي فِيمَا شَاءَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4037 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ الْآيَةَ ، قَالَ : ذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، تَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ .
قَالَ : الْمَلَائِكَةُ يَجِيئُونَ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يَجِيءُ فِيمَا شَاءَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ وَجَّهَ قَوْلَهُ : فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ إِلَى أَنَّهُ مِنْ صِلَةِ فِعْلِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، وَتَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، لِمَا : - 4038 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مِنَ الْغَمَامِ طَاقَاتٍ يَأْتِي اللَّهُ فِيهَا مَحْفُوفًا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : هَلْ يَنْظُرُونَ ، فَإِنَّهُ مَا يَنْظُرُونَ ، وَقَدْ بَيَّنَا ذَلِكَ بِعِلَلِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا قَبْلُ .
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي صِفَةِ إِتْيَانِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا صِفَةَ لِذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ تَكَلُّفُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا بِخَبَرٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ ، أَوْ مِنْ رَسُولٍ مُرْسَلٍ . فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِخْرَاجِ إِلَّا بِمَا ذَكَرْنَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِتْيَانُهُ عَزَّ وَجَلَّ ، نَظِيرُ مَا يُعْرَفُ مِنْ مَجِيءِ الْجَائِي مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ ، وَانْتِقَالِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ، يَعْنِي بِهِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ ، كَمَا يُقَالُ : قَدْ خَشِينَا أَنْ يَأْتِيَنَا بَنُو أُمَيَّةَ ، يُرَادُ بِهِ : حُكْمُهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ ثَوَابُهُ وَحِسَابُهُ وَعَذَابُهُ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [ سَبَأٍ : 33 ] وَكَمَا يُقَالُ : قَطَعَ الْوَالِي اللِّصَّ أَوْ ضَرَبَهُ ، وَإِنَّمَا قَطَعَهُ أَعْوَانُهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْغَمَامِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا قَبْلُ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرِهِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ هَهُنَا هُوَ مَعْنَاهُ هُنَالِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَعْنَى الْكَلَامِ إذًا : هَلْ يَنْظُرُ التَّارِكُونَ الدُّخُولَ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَالْمُتَّبِعُونَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، فَيَقْضِي فِي أَمْرِهِمْ مَا هُوَ قَاضٍ . 4939 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُوقَفُونَ مَوْقِفًا وَاحِدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِقْدَارَ سَبْعِينَ عَامًا ، لَا يُنَظَرُ إِلَيْكُمْ وَلَا يُقَضَي بَيْنَكُمْ ، قَدْ حُصِرَ عَلَيْكُمْ ، فَتَبْكُونَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمْعُ ، ثُمَّ تَدْمَعُونَ دَمًا ، وَتَبْكُونَ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْكُمُ الْأَذْقَانَ ، أَوْ يُلْجِمَكُمْ فَتَصِيحُونَ ، ثُمَّ تَقُولُونَ : مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَقْضِيَ بَيْنَنَا ؟ فَيَقُولُونَ مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ ؟ جَبَلِ اللَّهِ تُرْبَتُهُ ، وَخَلَقَهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَكَلَّمَهُ قِبَلًا فَيُؤْتَى آدَمُ ، فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَيَأْبَى ، ثُمَّ يَسْتَقْرِئُونَ الْأَنْبِيَاءَ نَبِيًّا نَبِيًّا ، كُلَّمَا جَاءُوا نَبِيًّا أَبَى ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَتَّى يَأْتُونِي ، فَإِذَا جَاءُونِي خَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ الْفَحْصَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْفَحْصُ ؟ قَالَ : قُدَّامَ الْعَرْشِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا ، فَلَا أَزَالُ سَاجِدًا حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ إِلَيَّ مَلَكًا ، فَيَأْخُذُ بِعَضُدَيَّ فَيَرْفَعُنِي ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ! فَأَقُولُ : نَعَمْ! وَهُوَ أَعْلَمُ .
فَيَقُولُ : مَا شَأْنُكَ ؟ فَأَقُولُ : يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ ، فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ . فَيَقُولُ : قَدْ شَفَّعْتُكَ ، أَنَا آتِيكُمْ فَأَقْضِي بَيْنَكُمْ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَنْصَرِفُ حَتَّى أَقِفَ مَعَ النَّاسِ ، فَبَيْنَا نَحْنُ وُقُوفٌ سَمِعْنَا حِسًّا مِنَ السَّمَاءِ شَدِيدًا ، فَهَالَنَا ، فَنَزَلَ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ ، وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ ، فَقُلْنَا لَهُمْ : أَفِيكُمْ رَبُّنَا ؟ قَالُوا : لَا! وَهُوَ آتٍ .
ثُمَّ نَزَلَ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَبِمِثْلَيْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ ، وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ ، فَقُلْنَا لَهُمْ : أَفِيكُمْ رَبُّنَا ؟ قَالُوا : لَا! وَهُوَ آتٍ . ثُمَّ نَزَلَ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَبِمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ ، وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ ، فَقُلْنَا لَهُمْ : أَفِيكُمْ رَبُّنَا ؟ قَالُوا : لَا ! وَهُوَ آتٍ ، ثُمَّ نَزَلَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ عَلَى عَدَدِ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ ، حَتَّى نَزَلَ الْجَبَّارُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ ، وَلَهُمْ زَجَلٌ مِنْ تَسْبِيحِهِمْ يَقُولُونَ : سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ! سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ ذِي الْجَبَرُوتِ! سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ! سُبْحَانَ الَّذِي يُمِيتُ الْخَلَائِقَ وَلَا يَمُوتُ! سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ! قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ! سُبْحَانَ رَبِّنَا الْأَعْلَى! سُبْحَانَ ذِي السُّلْطَانِ وَالْعَظْمَةِ! سُبْحَانَهُ أَبَدًا أَبَدًا ! فَيَنْزِلُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، يَحْمِلُ عَرْشَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ، وَهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعًا ، أَقْدَامُهُمْ عَلَى تُخُومِ الْأَرْضِ السُّفْلَى وَالسَّمَوَاتُ إِلَى حُجُزِهِمْ ، وَالْعَرْشُ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ . فَوَضَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَرْشَهُ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْأَرْضِ ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ نِدَاءً يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ ، فَيَقُولُ : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِّي قَدْ أَنْصَتُّ مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتُكُمْ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا ، أَسْمَعُ كَلَامَكُمْ ، وَأُبْصِرُ أَعْمَالَكُمْ ، فَأَنْصِتُوا إِلَىَّ ، فَإِنَّمَا هُوَ صُحُفُكُمْ وَأَعْمَالُكُمْ تُقْرَأُ عَلَيْكُمْ ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ! فَيَقْضِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ خَلْقِهِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ ، فَإِنَّهُ لَيُقْتَصُّ يَوْمَئِذٍ لِلْجَمَّاءِ مِنْ ذَاتِ الْقَرْنِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ قَوْلِ قَتَادَةَ فِي تَأْوِيلِهِ قَوْلَهُ : وَالْمَلَائِكَةُ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِيهِمْ عِنْدَ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يَأْتُونَهُمْ بَعْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ فِي مَوْقِفِ الْحِسَابِ ، حِينَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ ، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ ، كَرِهْنَا إِطَالَةَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِمْ وَذِكْرِ مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ ، وَيُوَضِّحُ أَيْضًا صِحَّةَ مَا اخْتَرْنَا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَالْمَلَائِكَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى : وَتَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَيُبَيِّنُ عَنْ خَطَأِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالْخَفْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِي أَهْلَ الْقِيَامَةِ فِي مَوْقِفِهِمْ حِينَ تَفَطَّرُ السَّمَاءُ ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ رَبُّهُمْ ، فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ . إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَارِئُ ذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنَى بِقَوْلِهِ ذَلِكَ : إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، وَفِي الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَ أَهْلَ الْمَوْقِفِ حِينَ يَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 210 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَفُصِلَ الْقَضَاءُ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَخْذِ الْحَقِّ لِكُلِّ مَظْلُومٍ مِنْ كُلِّ ظَالِمٍ ، حَتَّى الْقِصَاصِ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ مِنَ الْبَهَائِمِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَإِلَى اللَّهِ يَؤُولُ الْقَضَاءُ بَيْنَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالْحُكْمُ بَيْنَهُمْ فِي أُمُورِهِمُ الَّتِي جَرَتْ فِي الدُّنْيَا ، مِنْ ظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِي مِنْهُمْ حُدُودَ اللَّهِ ، وَخِلَافِ أَمْرِهِ ، وَإِحْسَانِ الْمُحْسِنِ مِنْهُمْ ، وَطَاعَتِهِ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ - فَيَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَظَالِمِينَ ، وَيُجَازِي أَهْلَ الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ ، وَأَهْلَ الْإِسَاءَةِ بِمَا رَأَى ، وَيَتَفَضَّلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ كَافِرًا فَيَعْفُو . وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُورُ الدُّنْيَا كُلُّهَا وَالْآخِرَةِ ، مِنْ عِنْدِهِ مَبْدَؤُهَا ، وَإِلَيْهِ مَصِيرُهَا ، إِذْ كَانَ خَلْقُهُ فِي الدُّنْيَا يَتَظَالَمُونَ ، وَيَلِي النَّظَرَ بَيْنَهُمْ أَحْيَانًا فِي الدُّنْيَا بَعْضُ خَلْقِهِ ، فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بَعْضُ عَبِيدِهِ ، فَيَجُورُ بَعْضٌ وَيَعْدِلُ بَعْضٌ ، وَيُصِيبُ وَاحِدٌ وَيُخْطِئُ وَاحِدٌ ، وَيُمَكَّنُ مِنْ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَى بَعْضٍ ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ ، لِمَنَعَةِ جَانِبِهِ وَغَلَبَتِهِ بِالْقُوَّةِ . فَأَعْلَمَ عِبَادَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ ، فَيُنْصِفُ كُلًّا مِنْ كُلٍّ ، وَيُجَازِي حَقَّ الْجَزَاءِ كُلًّا حَيْثُ لَا ظُلْمَ وَلَا مُمْتَنِعَ مِنْ نُفُوذِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ ، وَحَيْثُ يَسْتَوِي الضَّعِيفُ وَالْقَوِيُّ ، وَالْفَقِيرُ وَالْغَنِيُّ ، وَيَضْمَحِلُّ الظُّلْمُ وَيَنْزِلُ سُلْطَانُ الْعَدْلِ .
وَإِنَّمَا أَدْخَلَ جَلَّ وَعَزَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْأُمُورِ ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِهَا جَمِيعَ الْأُمُورِ ، وَلَمْ يَعْنِ بِهَا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : يُعْجِبُنِي الْعَسَلُ - وَالْبَغْلُ أَقْوَى مِنَ الْحِمَارِ ، فَيُدْخِلُ فِيهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قَصْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ ، إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ وَالْجَمْعُ .