الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَمْ حَسِبْتُمْ ، كَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَ بِ أَمْ فِي ابْتِدَاءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ ، لِسُبُوقِ كَلَامٍ هُوَ بِهِ مُتَّصِلٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كَلَامٌ يَكُونُ بِهِ مُتَّصِلًا وَكَانَ ابْتِدَاءً لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ; لِأَنَّ قَائِلًا لَوْ كَانَ قَالَ مُبْتَدِئًا كَلَامًا لِآخَرَ : أَمْ عِنْدَكَ أَخُوكَ ؟ لَكَانَ قَائِلًا مَا لَا مَعْنَى لَهُ . وَلَكِنْ لَوْ قَالَ : أَنْتَ رَجُلٌ مُدِلٌّ بِقُوَّتِكَ أَمْ عِنْدَكَ أَخُوكَ يَنْصُرُكَ ؟ كَانَ مُصِيبًا . وَقَدْ بَيَّنَّا بَعْضَ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَقَدْ دَلَّلْتُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَنَّ الْمَثَلَ ، الشَّبَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4066 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا .
4067 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ قَوْلُهُ : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ، قَالَ : هُوَ خَيْرُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ . وَفِي قَوْلِهِ : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ، وَجْهَانِ مِنَ الْقِرَاءَةِ : الرَّفْعُ ، وَالنَّصْبُ . وَمَنْ رَفَعَ فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَمَّا كَانَ يَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهِ فَعَلَ أَبْطَلَ عَمَلَ حَتَّى فِيهَا ؛ لِأَنَّ حَتَّى غَيْرُ عَامِلَةٍ فِي فَعَلَ ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ فِي يَفْعَلُ ، وَإِذَا تَقَدَّمَهَا فَعَلَ ، وَكَانَ الَّذِي بَعْدَهَا يَفْعَلُ ، وَهُوَ مِمَّا قَدْ فُعِلَ وَفُرِغَ مِنْهُ ، وَكَانَ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْفِعْلِ غَيْرَ مُتَطَاوِلٍ ، فَالْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ حِينَئِذٍ الرَّفْعُ فِي يَفْعَلُ وَإِبْطَالُ عَمَلِ حَتَّى عَنْهُ ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ : قُمْتُ إِلَى فُلَانٍ حَتَّى أَضْرِبُهُ ، وَالرَّفْعُ هُوَ الْكَلَامُ الصَّحِيحُ فِي أَضْرِبُهُ ، إِذَا أَرَادَ : قُمْتُ إِلَيْهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ ، إِذَا كَانَ الضَّرْبُ قَدْ كَانَ وَفُرِغَ مِنْهُ ، وَكَانَ الْقِيَامُ غَيْرَ مُتَطَاوِلِ الْمُدَّةِ .
فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَا قَبْلَ حَتَّى مِنَ الْفِعْلِ عَلَى لَفْظِ فِعْلٍ مُتَطَاوِلِ الْمُدَّةِ ، وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْفِعْلِ عَلَى لَفْظٍ غَيْرِ مُنْقَضٍ ، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْكَلَامِ نَصْبُ يَفْعَلُ ، وَإِعْمَالُ حَتَّى ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ : مَا زَالَ فُلَانٌ يَطْلُبُكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى يُثَبِّتَكَ ، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْكَلَامِ - الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ - النَّصْبُ بِ حَتَّى ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مَطَوْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ فَنَصَبَ تَكِلُّ ، وَالْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَ حَتَّى مَاضٍ ، لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهَا مِنْ الْمَطْوِ مُتَطَاوِلٌ . وَالصَّحِيحُ مِنَ الْقِرَاءَةِ - إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ، نَصْبُ يَقُولَ ، إِذْ كَانَتِ الزَّلْزَلَةُ فِعْلًا مُتَطَاوِلًا مِثْلَ الْمَطْوِ بِالْإِبِلِ . وَإِنَّمَا الزَّلْزَلَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ ، لَا زَلْزَلَةَ الْأَرْضِ ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ مُتَطَاوِلَةً وَكَانَ النَّصْبُ فِي يَقُولَ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى فَعَلَ أَفْصَحَ وَأَصَحَّ مِنَ الرَّفْعِ فِيهِ .