الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ "
4215 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مَثَلَهُ . 4216 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ إِلَى قَوْلِهِ : لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، قَالَ : حَرَّمَ اللَّهُ الْمُشْرِكَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، ثُمَّ أَنْزَلَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، فَاسْتَثْنَى نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُرَادًا بِحُكْمِهَا مُشْرِكَاتُ الْعَرَبِ ، لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَمْ يُسْتَثْنَ ، وَإِنَّمَا هِيَ آيَةٌ عَامٌّ ظَاهِرُهَا ، خَاصٌّ تَأْوِيلُهَا .
4220 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ، قَالَ : مُشْرِكَاتُ أَهْلِ الْأَوْثَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُرَادًا بِهَا كُلُّ مُشْرِكَةٍ مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الشِّرْكِ كَانَتْ ، غَيْرَ مَخْصُوصٍ مِنْهَا مُشْرِكَةٌ دُونَ مُشْرِكَةٍ ، وَثَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ كِتَابِيَّةً ، وَلَا نُسِخَ مِنْهَا شَيْءٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4221 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ الْفَزَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَصْنَافِ النِّسَاءِ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ ، وَحَرَّمَ كُلَّ ذَاتِ دِينٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 5 ] وَقَدْ نَكَحَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَهُودِيَّةً ، وَنَكَحَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ نَصْرَانِيَّةً ، فَغَضِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبًا شَدِيدًا ، حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِمَا .
فَقَالَا نَحْنُ نُطَلِّقُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا تَغْضَبْ ! فَقَالَ : لَئِنْ حَلَّ طَلَاقُهُنَّ لَقَدْ حَلَّ نِكَاحُهُنَّ ، وَلَكِنْ أَنْتَزِعُهُنَّ مِنْكُمْ صَغَرَةً قِمَاءً . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ قَتَادَةُ : مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكَاتِ وَأَنَّ الْآيَةَ عَامٌّ ظَاهِرُهَا خَاصٌّ بَاطِنُهَا ، لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ وَأَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرُ دَاخِلَاتٍ فِيهَا . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَحَلَّ بِقَوْلِهِ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ - لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِكَاحِ مُحْصَنَاتِهِنَّ ، مِثْلَ الَّذِي أَبَاحَ لَهُمْ مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَفِي كِتَابِنَا ( كِتَابِ اللَّطِيفِ مِنَ الْبَيَانِ ) : أَنَّ كُلَّ آيَتَيْنِ أَوْ خَبَرَيْنِ كَانَ أَحَدُهُمَا نَافِيًا حُكْمَ الْآخَرِ فِي فِطْرَةِ الْعَقْلِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقْضَى عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَنَّهُ نَاسِخٌ حُكْمَ الْآخَرِ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ مِنْ خَبَرٍ قَاطِعٍ لِلْعُذْرِ مَجِيئُهُ . وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ ، أَنَّ قَوْلَهُ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ نَاسِخٌ مَا كَانَ قَدْ وَجَبَ تَحْرِيمُهُ مِنَ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ . فَإِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْجُودًا كَذَلِكَ ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ : هَذِهِ نَاسِخَةٌ هَذِهِ ، دَعْوَى لَا بُرْهَانَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَالْمُدَّعِي دَعْوَى لَا بُرْهَانَ لَهُ عَلَيْهَا مُتَحَكِّمٌ ، وَالتَّحَكُّمُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مِنْ تَفْرِيقِهِ بَيْنَ طَلْحَةَ وَحُذَيْفَةَ وَامْرَأَتَيْهِمَا اللَّتَيْنِ كَانَتَا كِتَابِيَّتَيْنِ ، فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ - لِخِلَافِهِ مَا الْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى تَحْلِيلِهِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَخَبَرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْقَوْلِ خِلَافُ ذَلِكَ ، بِإِسْنَادٍ هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ ، وَهُوَ مَا : - 4222 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : الْمُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيَّةَ ، وَلَا يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيُّ الْمُسْلِمَةَ . وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ عُمَرُ لِطَلْحَةَ وَحُذَيْفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ نِكَاحُ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ حِذَارًا مِنْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمَا النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، فَيَزْهَدُوا فِي الْمُسْلِمَاتِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي ، فَأَمَرَهُمَا بِتَخْلِيَتِهِمَا .
كَمَا : 4223 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامَ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ يَهُودِيَّةً ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ : خَلِّ سَبِيلَهَا فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَتَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ فَأُخَلِّيَ سَبِيلَهَا ؟ ، فَقَالَ : لَا أَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَعَاطَوُا الْمُومِسَاتِ مِنْهُنَّ . وَقَدْ : - 4224 - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا . فَهَذَا الْخَبَرُ - وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَا فِيهِ - فَالْقَوْلُ بِهِ ، لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إذًا : وَلَا تَنْكِحُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مُشْرِكَاتٍ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُؤْمِنَّ فَيُصَدِّقْنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وَأَفْضَلُ مِنْ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ كَافِرَةٍ ، وَإِنْ شَرُفَ نَسَبُهَا وَكَرُمَ أَصْلُهَا . يَقُولُ : وَلَا تَبْتَغُوا الْمَنَاكِحَ فِي ذَوَاتِ الشَّرَفِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ، فَإِنَّ الْإِمَاءَ الْمُسْلِمَاتِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مَنْكَحًا مِنْهُنَّ .
وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ نَكَحَ أَمَةً ، فَعُذِلَ فِي ذَلِكَ ، وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ حُرَّةٌ مُشْرِكَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4225 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهَا فَلَطَمَهَا . ثُمَّ فَزِعَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهَا ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هِيَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هِيَ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ .
فَقَالَ : هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ ! فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأُعْتِقَنَّهَا وَلَأَتَزَوَّجَنَّهَا ! فَفَعَلَ ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا : تَزَوَّجَ أَمَةً ! ! وَكَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَنْكِحُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَيَنْكِحُوهُمْ رَغْبَةً فِي أَحِسَابِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ . 4226 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ، قَالَ : الْمُشْرِكَاتُ - لِشَرَفِهِنَّ - حَتَّى يُؤْمِنَّ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَإِنْ أَعْجَبَتْكُمُ الْمُشْرِكَةُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْجَمَالِ وَالْحَسَبِ وَالْمَالِ ، فَلَا تَنْكِحُوهَا ، فَإِنَّ الْأَمَّةَ الْمُؤْمِنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا .
وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لَوْ مَوْضِعَ إِنْ لَتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا ، وَمَعْنَيَيْهِمَا ، وَلِذَلِكَ تُجَابُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِجَوَابِ صَاحِبَتِهَا ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ ، أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنَاتِ أَنْ يَنْكِحْنَ مُشْرِكًا كَائِنًا مَنْ كَانَ الْمُشْرِكُ ، وَمِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الشِّرْكِ كَانَ ، فَلَا تَنْكِحُوهُنَّ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ، وَلَأَنْ تُزَوِّجُوهُنَّ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُزَوِّجُوهُنَّ مِنْ حُرٍّ مُشْرِكٍ ، وَلَوْ شَرُفَ نَسَبُهُ وَكَرُمَ أَصْلُهُ ، وَإِنْ أَعْجَبَكُمْ حَسَبُهُ وَنَسَبُهُ . وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ يَقُولُ : هَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ بِتَزْوِيجِهَا مِنَ الْمَرْأَةِ .
4230 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ، قَالَ : حَرَّمَ الْمُسَلِّمَاتِ عَلَى رِجَالِهِمْ - يَعْنِي رِجَالَ الْمُشْرِكِينَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 221 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مُنَاكَحَتَهُمْ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَنِسَائِهِمْ ، يَدْعُونَكُمْ إِلَى النَّارِ يَعْنِي : يَدْعُونَكُمْ إِلَى الْعَمَلِ بِمَا يُدْخِلُكُمُ النَّارَ ، وَذَلِكَ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي هُمْ بِهِ عَامِلُونَ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . يَقُولُ : وَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُمْ مَا يَقُولُونَ ، وَلَا تَسْتَنْصِحُوهُمْ ، وَلَا تُنْكِحُوهُمْ وَلَا تَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَلَكِنِ اقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ يَدْعُوكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ يَعْنِي بِذَلِكَ يَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَمَلِ بِمَا يُدْخِلُكُمُ الْجَنَّةَ ، وَيُوجِبُ لَكُمُ النَّجَاةَ إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ مِنَ النَّارِ ، وَإِلَى مَا يَمْحُو خَطَايَاكُمْ أَوْ ذُنُوبَكُمْ ، فَيَعْفُو عَنْهَا وَيَسْتُرُهَا عَلَيْكُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِإِذْنِهِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُ يَدْعُوكُمْ إِلَى ذَلِكَ بِإِعْلَامِهِ إِيَّاكُمْ سَبِيلَهُ وَطَرِيقَهُ الَّذِي بِهِ الْوُصُولُ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، يَقُولُ : وَيُوَضِّحُ حُجَجَهُ وَأَدِلَّتَهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ لِعِبَادِهِ ، لِيَتَذَكَّرُوا فَيَعْتَبِرُوا ، وَيُمَيِّزُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا دَعَّاءٌ إِلَى النَّارِ وَالْخُلُودِ فِيهَا ، وَالْآخِرُ دَعَّاءٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ ، فَيَخْتَارُوا خَيْرَهُمَا لَهُمْ . وَلَمْ يَجْهَلِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ هَاتَيْنِ إِلَّا غَبِيٌّ [ غَبِينُ ] الرَّأْيِ مَدْخُولُ الْعَقْلِ .