الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : تِلْكَ الرُّسُلَ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قِصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، كَمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وشَمْوِيلَ وَدَاوُدَ ، وَسَائِرَ مَنْ ذَكَرَ نَبَأَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَؤُلَاءِ رُسُلِي فَضَّلْتُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَكَلَّمْتُ بَعْضَهُمْ وَالَّذِي كَلَّمْتُهُ مِنْهُمْ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَفَعْتُ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ عَلَى بَعْضٍ بِالْكَرَامَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ كَمَا : - 5755 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ : يَقُولُ : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ دَرَجَاتٍ . يَقُولُ : كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ، وَأَرْسَلَ مُحَمَّدًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً . 5756 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ : 5757 - قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنِّي عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَقِيلَ لِي : سَلْ تُعْطَهُ ، فَاخْتَبَأْتُهَا شَفَاعَةً لِأُمَّتِي ، فَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْحُجَجَ وَالْأَدِلَّةَ عَلَى نُبُوَّتِهِ : مِنْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَعَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْهِ ، فَبَيَّنْتُ فِيهِ مَا فَرَضْتُ عَلَيْهِ . وَيَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : وَأَيَّدْنَاهُ وَقَوَّيْنَاهُ وَأَعَنَّاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يَعْنِي بِرُوحِ اللَّهِ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى رُوحِ الْقُدُسِ ، وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ يَعْنِي مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ، وَبَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ لِمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ يَعْنِي : مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَا أَبَانَ لَهُمُ الْحَقَّ ، وَأَوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ فِي قَوْلِهِ : مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى وَعِيسَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5758 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ يَقُولُ : مِنْ بَعْدِ مُوسَى وَعِيسَى . 5759 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ يَقُولُ : مِنْ بَعْدِ مُوسَى وَعِيسَى .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ( 253 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلَكِنِ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ ، لَمَّا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنْهُمْ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ لَا يَقْتَتِلُوا ، فَاقْتَتَلُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ بِتَحْرِيمِ الِاقْتِتَالِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَبَعْدَ ثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَرِسَالَةِ رُسُلِهِ وَوَحْيِ كِتَابِهِ ، فَكَفَرَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ بَعْضُهُمْ ، وَآمَنَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ . فَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُمْ أَتَوْا مَا أَتَوْا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى خَطَأٍ ، تَعَمُّدًا مِنْهُمْ لِلْكُفْرِ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ . ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِعِبَادِهِ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا يَقُولُ : وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَحْجِزَهُمْ - بِعِصْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ - عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَلَا يَقْتَتِلُوا مَا اقْتَتَلُوا وَلَا اخْتَلَفُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ بِأَنْ يُوَفِّقَ هَذَا لِطَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ فَيُؤْمِنَ بِهِ وَيُطِيعَهُ ، وَيَخْذُلَ هَذَا فَيَكْفُرَ بِهِ وَيَعْصِيَهُ .