الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَآيِ كِتَابِهِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَنْفِقُوا زَكُّوا وَتَصَدَّقُوا كَمَا : - 6120 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يَقُولُ : تَصَدَّقُوا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : زَكُّوا مِنْ طَيِّبِ مَا كَسَبْتُمْ بِتَصَرُّفِكُمْ إِمَّا بِتِجَارَةٍ ، وَإِمَّا بِصِنَاعَةٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
6130 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ قَالَ : مِنْ هَذَا الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ - جَلَّ وَعَزَّ - وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَأَنْفِقُوا أَيْضًا مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، فَتَصَدَّقُوا وَزَكُّوا مِنَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ ، وَمَا أَوْجَبْتُ فِيهِ الصَّدَقَةَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ . كَمَا : - 6131 - حَدَّثَنِي عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْهُذَلِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبِيدَةَ قَالَ : سَأَلْتُ عَلِيًّا - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ قَالَ : يَعْنِي مِنَ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ وَكُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكَاةٌ .
6135 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ قَالَ : هَذَا فِي التَّمْرِ وَالْحَبِّ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ - جَلَّ وَعَزَّ - وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ وَلَا تَعْمِدُوا ، وَلَا تَقْصِدُوا . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( وَلَا تَؤُمُّوا ) مِنْ أَمَمْتُ وَهَذِهِ مِنْ يَمَّمْتُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِ الْخَبِيثَ : الرَّدِيءَ ، غَيْرَ الْجَيِّدِ ، يَقُولُ : لَا تَعْمِدُوا الرَّدِيءَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ فِي صَدَقَاتِكُمْ فَتَصَدَّقُوا مِنْهُ ، وَلَكِنْ تَصَدَّقُوا مِنَ الطِّيِّبِ الْجَيِّدِ . وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَّقَ قِنْوًا مِنْ حَشَفٍ - فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُعَلِّقُونَ صَدَقَةَ ثِمَارِهِمْ - صَدَقَةً مِنْ تَمْرِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6139 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ ، كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَ أَيَّامُ جِذَاذِ النَّخْلِ أَخْرَجَتْ مِنْ حِيطَانِهَا أَقْنَاءَ الْبُسْرِ ، فَعَلَّقُوهُ عَلَى حَبْلٍ بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْكُلُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُ .
فَيَعْمِدُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِلَى الْحَشَفِ فَيُدْخِلُهُ مَعَ أَقْنَاءِ الْبُسْرِ ، يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قَالَ لَا تَيَمَّمُوا الْحَشَفَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ . 6140 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، زَعَمَ السُّدِّيُّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ بِنَحْوِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَكَانَ يَعْمِدُ بَعْضُهُمْ ، فَيُدْخِلُ قِنْوَ الْحَشَفِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ جَائِزٌ عَنْهُ فِي كَثْرَةِ مَا يُوضَعُ مِنَ الْأَقْنَاءِ ، فَنَزَلَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ الْقِنْوُ الَّذِي قَدْ حَشَفَ ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيْكُمْ مَا قَبِلْتُمُوهُ .
6141 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : كَانُوا يَجِيئُونَ فِي الصَّدَقَةِ بِأَرْدَإِ تَمْرِهِمْ وَأَرْدَإِ طَعَامِهِمْ ، فَنَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ الْآيَةَ . 6142 - حَدَّثَنِي عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ عَلِيًّا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قَالَ : فَقَالَ عَلِيٌّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ ، كَانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إِلَى التَّمْرِ فَيَصْرِمُهُ ، فَيَعْزِلُ الْجَيِّدَ نَاحِيَةً . فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُ الصَّدَقَةِ أَعْطَاهُ مِنَ الرَّدِيءِ ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ : عَلَّقَ إِنْسَانٌ حَشَفًا فِي الْأَقْنَاءِ الَّتِي تُعَلَّقُ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا هَذَا ؟ بِئْسَمَا عَلَّقَ هَذَا ! ! فَنَزَلَتْ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنَ الْحَرَامِ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَتَدَعُوا أَنْ تُنْفِقُوا الْحَلَالَ الطَّيِّبِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6149 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ - وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ - قَالَ : الْخَبِيثُ : الْحَرَامُ ، لَا تَتَيَمَّمْهُ تُنْفِقُ مِنْهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقْبَلُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَمَّنْ حَكَيْنَا [ عَنْهُ ] مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ ] ، وَاتِّفَاقِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ دُونَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَلَسْتُمْ بِآخِذِي الْخَبِيثِ فِي حُقُوقِكُمْ ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ : بِآخِذِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْخَبِيثِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يَعْنِي : إِلَّا أَنْ تَتَجَافَوْا فِي أَخْذِكُمْ إِيَّاهُ عَنْ بَعْضِ الْوَاجِبِ لَكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ ، فَتُرَخِّصُوا فِيهِ لِأَنْفُسِكُمْ . يُقَالُ مِنْهُ : أَغْمَضَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ ، فَهُوَ يُغْمِضُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الطِّرْمَاحِ بْنِ حَكِيمٍ : لَمْ يَفُتْنَا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وَلِلضَّيْ مِ رِجَالٌ يَرْضَوْنَ بِالْإِغْمَاضِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِي الرَّدِيءِ مِنْ غُرَمَائِكُمْ فِي وَاجِبِ حُقُوقِكُمْ قِبَلَهُمْ ، إِلَّا عَنْ إِغْمَاضٍ مِنْكُمْ لَهُمْ فِي الْوَاجِبِ لَكُمْ عَلَيْهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6150 - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبِيدَةَ قَالَ : سَأَلْتُ عَلِيًّا عَنْهُ فَقَالَ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يَقُولُ : وَلَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ هَذَا الرَّدِيءَ حَتَّى يَهْضِمَ لَهُ . 6151 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يَقُولُ : لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ ، فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْهُ ، إِلَّا أَنْ يَرَى أَنَّهُ قَدْ نَقَصَهُ مِنْ حَقِّهِ .
6152 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يَقُولُ : لَوْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ حَقٌّ ، فَجَاءَكُمْ بِحَقٍّ دُونَ حَقِّكُمْ ، لَمْ تَأْخُذُوا بِحِسَابِ الْجَيِّدِ حَتَّى تُنْقِصُوهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي مَا لَا تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ ، وَحَقِّي عَلَيْكُمْ مِنْ أَطْيَبِ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفَسِهَا ؟ . وَهُوَ قَوْلُهُ : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) . [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 92 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِي هَذَا الرَّدِيءِ الْخَبِيثِ - إِذَا اشْتَرَيْتُمُوهُ مِنْ أَهْلِهِ - بِسِعْرِ الْجَيِّدِ ، إِلَّا بِإِغْمَاضٍ مِنْهُمْ لَكُمْ فِي ثَمَنِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6157 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قَالَ : لَوْ وَجَدْتُمُوهُ فِي السُّوقِ يُبَاعُ ، مَا أَخَذْتُمُوهُ حَتَّى يُهْضَمَ لَكُمْ مِنْ ثَمَنِهِ . 6158 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يَقُولُ : لَسْتُمْ بِآخِذِي هَذَا الرَّدِيءِ بِسِعْرِ هَذَا الطِّيِّبِ إِلَّا أَنْ يُغْمَضَ لَكُمْ فِيهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِي هَذَا الرَّدِيءِ الْخَبِيثِ لَوْ أُهْدِيَ لَكُمْ ، إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ، فَتَأْخُذُوهُ وَأَنْتُمْ لَهُ كَارِهُونَ ، عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْكُمْ مِمَّنْ أَهْدَاهُ لَكُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6159 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قَالَ : لَوْ أُهْدِيَ لَكُمْ مَا قَبِلْتُمُوهُ إِلَّا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ صَاحِبِهِ ، أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكَ بِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ . 6160 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيُّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِلَّا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَغَيْظًا أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكَ بِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِي هَذَا الرَّدِيءِ مِنْ حَقِّكُمْ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا مِنْ حَقِّكُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6161 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ يَقُولُ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ مِنْ حَقٍّ هُوَ لَكُمْ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يَقُولُ : أُغْمِضُ لَكَ مِنْ حَقِّي . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِي الْحَرَامِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ عَلَيْكُمْ فِي أَخْذِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6162 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قَالَ : يَقُولُ : لَسْتَ آخِذًا ذَلِكَ الْحَرَامَ حَتَّى تُغْمِضَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ . قَالَ : وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذَهُ ، وَلَقَدْ أَغْمَضَ عَلَى مَا فِيهِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ بَاطِلٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - حَثَّ عِبَادَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَفَرَضَهَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ، فَصَارَ مَا فَرَضَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقًّا لَأَهِلِ سُهْمَانِ الصَّدَقَةِ .
ثُمَّ أَمَرَهُمْ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ الطَّيِّبِ - وَهُوَ الْجَيِّدُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ - الطَّيِّبَ . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّهْمَانِ شُرَكَاءُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فِي أَمْوَالِهِمْ ، بِمَا وَجَبَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الصَّدَقَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا . فَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ شَرِيكَيْنِ فِي مَالٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مِلْكِهِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَنْعُ شَرِيكِهِ مِنْ حَقِّهِ مِنَ المِلْكِ الَّذِي هُوَ فِيهِ شَرِيكُهُ ، بِإِعْطَائِهِ - بِمِقْدَارِ حَقِّهِ مِنْهُ - مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَرْدَأُ مِنْهُ أَوْ أَخَسُّ .
فَكَذَلِكَ الْمُزَكِّي مَالَهُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ أَهْلَ السُّهْمَانِ - مِمَّا وَجَبَ لَهُمْ فِي مَالِهِ مِنَ الطَّيِّبِ الْجَيِّدِ مِنَ الْحَقِّ فَصَارُوا فِيهِ شُرَكَاءَ - مِنَ الْخَبِيثِ الرَّدِيءِ غَيْرَهُ ، وَيَمْنَعُهُمْ مَا هُوَ لَهُمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ فِي الطَّيِّبِ مِنْ مَالِهِ الْجَيِّدِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالُ رَبِّ الْمَالِ رَدِيئًا كُلُّهُ غَيْرَ جَيِّدٍ ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَصَارَ أَهْلُ سُهْمَانِ الصَّدَقَةِ فِيهِ شُرَكَاءَ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الطَّيِّبَ الْجَيِّدَ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ الَّذِي مِنْهُ حَقُّهُمْ . فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ : زَكُّوا مِنْ جَيِّدِ أَمْوَالِكُمُ الْجَيِّدَ ، وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ الرَّدِيءَ تُعْطُونَهُ أَهْلَ سُهْمَانِ الصَّدَقَةِ ، وَتَمْنَعُونَهُمُ الْوَاجِبَ لَهُمْ مِنَ الْجَيِّدِ الطَّيِّبِ فِي أَمْوَالِكُمْ ، وَلَسْتُمْ بِآخِذِي الرَّدِيءِ لِأَنْفُسِكُمْ مَكَانَ الْجَيِّدِ الْوَاجِبِ لَكُمْ قِبَلَ مَنْ وَجَبَ لَكُمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ شُرَكَائِكُمْ وَغُرَمَائِكُمْ وَغَيْرِهِمْ ، إِلَّا عَنْ إِغْمَاضٍ مِنْكُمْ وَهَضْمٍ لَهُمْ وَكَرَاهَةٍ مِنْكُمْ لِأَخْذِهِ . يَقُولُ : وَلَا تَأْتُوا مِنَ الْفِعْلِ إِلَى مَنْ وَجَبَ لَهُ فِي أَمْوَالِكُمْ حَقٌّ ، مَا لَا تَرْضَوْنَ مِنْ غَيْرِكُمْ أَنْ يَأْتِيَهُ إِلَيْكُمْ فِي حُقُوقِكُمُ الْوَاجِبَةِ لَكُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ .
فَأَمَّا إِذَا تَطَوَّعَ الرَّجُلُ بِصَدَقَةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ ، فَإِنِّي - وَإِنْ كَرِهْتُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ فِيهَا إِلَّا أَجْوَدَ مَالِهِ وَأَطْيَبَهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ مَنْ تُقُرِّبَ إِلَيْهِ بِأَكْرَمِ الْأَمْوَالِ وَأَطْيَبِهَا ، وَالصَّدَقَةُ قُرْبَانُ الْمُؤْمِنِ - فَلَسْتُ أُحَرِّمُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ فِيهَا غَيْرَ الْجَيِّدِ ؛ لِأَنَّ مَا دُونُ الْجَيِّدِ رُبَّمَا كَانَ أَعَمَّ نَفْعًا لِكَثْرَتِهِ ، أَوْ لِعَظَمِ خَطَرِهِ - وَأَحْسَنَ مَوْقِعًا مِنَ المِسْكِينِ ، وَمِمَّنْ أُعْطِيَهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - مِنَ الْجَيِّدِ ؛ لِقِلَّتِهِ أَوْ لِصِغَرِ خَطَرِهِ وَقِلَّةِ جَدْوَى نَفْعِهِ عَلَى مَنْ أُعْطِيَهُ . وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6163 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : سَأَلْتُ عَبِيدَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قَالَ : ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ ، الدِّرْهَمُ الزَّائِفُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ التَّمْرَةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَاعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - غَنِيٌّ عَنْ صَدَقَاتِكُمْ وَعَنْ غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَكُمْ بِهَا ، وَفَرَضَهَا فِي أَمْوَالِكُمْ ؛ رَحْمَةً مِنْهُ لَكُمْ لِيُغْنِيَ بِهَا عَائِلَكُمْ ، وَيُقَوِّيَ بِهَا ضَعِيفَكُمْ ، وَيُجْزِلَ لَكُمْ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ مَثُوبَتَكُمْ ، لَا مِنْ حَاجَةٍ بِهِ فِيهَا إِلَيْكُمْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : حَمِيدٌ أَنَّهُ مَحْمُودٌ عِنْدَ خَلْقِهِ بِمَا أَوْلَاهُمْ مِنْ نِعَمِهِ ، وَبَسَطَ لَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، كَمَا : - 6167 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِهِ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ عَنْ صَدَقَاتِكُمْ .