الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا فَيَتَعَبَّدَهَا إِلَّا بِمَا يَسَعُهَا ، فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهَا وَلَا يَجْهَدُهَا . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ الْوُسْعَ اسْمٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : وَسِعَنِي هَذَا الْأَمْرُ مِثْلَ الْجُهْدِ وَ الْوَجْدِ مِنْ : جَهَدَنِي هَذَا الْأَمْرُ وَ وَجَدْتُ مِنْهُ كَمَا : - 6502 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ ، فَقَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 78 ] ، وَقَالَ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 185 ] ، وَقَالَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ سُورَةُ التَّغَابُنِ : 16 ] . 6503 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ، ضَجَّ الْمُؤْمِنُونَ مِنْهَا ضَجَّةً وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا نَتُوبُ مِنْ عَمَلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَاللِّسَانِ ! كَيْفَ نَتُوبُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ ؟ كَيْفَ نَمْتَنِعُ مِنْهَا ؟ فَجَاءَ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذِهِ الْآيَةِ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا إِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَمْتَنِعُوا مِنَ الْوَسْوَسَةِ .
6504 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وُسْعُهَا طَاقَتُهَا . وَكَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ مِمَّا لَمْ يُطِيقُوا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : لَهَا لِلنَّفْسِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهَا إِلَّا وُسْعُهَا .
يَقُولُ : لِكُلِّ نَفْسٍ مَا اجْتَرَحَتْ وَعَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَعَلَيْهَا يَعْنِي : وَعَلَى كُلِّ نَفْسٍ مَا اكْتَسَبَتْ مَا عَمِلَتْ مِنْ شَرٍّ ، كَمَا : - 6505 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ أَيْ : مِنْ خَيْرٍ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ أَيْ : مِنْ شَرٍّ - أَوْ قَالَ : مِنْ سُوءٍ . 6506 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ . عَنِ السُّدِّيِّ .
لَهَا مَا كَسَبَتْ يَقُولُ : مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ يَقُولُ : وَعَلَيْهَا مَا عَمِلَتْ مِنْ شَرٍّ . 6507 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ . 6508 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ عَمَلُ الْيَدِ وَالرِّجُلِ وَاللِّسَانِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا يَسَعُهَا فَلَا يُجْهِدُهَا ، وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا ، فَيُؤَاخِذُهَا بِهِمَّةٍ إِنْ هَمَّتْ ، وَلَا بِوَسْوَسَةٍ إِنْ عَرَضَتْ لَهَا ، وَلَا بِخَطِرَةٍ إِنْ خَطَرَتْ بِقَلْبِهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ دُعَاءَهُ كَيْفَ يَدْعُونَهُ ، وَمَا يَقُولُونَهُ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهُ . وَمَعْنَاهُ : قُولُوا : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا شَيْئًا فَرَضْتَ عَلَيْنَا عَمَلَهُ فَلَمْ نَعْمَلْهُ أَوْ أَخْطَأَنَا فِي فِعْلِ شَيْءٍ نَهَيْتَنَا عَنْ فِعْلِهِ فَفَعَلْنَاهُ ، عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنَّا إِلَى مَعْصِيَتِكَ ، وَلَكِنْ عَلَى جَهَالَةٍ مِنَّا بِهِ وَخَطَأٍ ، كَمَا : - 6509 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذُنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا إِنْ نَسِينَا شَيْئًا مِمَّا افْتَرَضْتَهُ عَلَيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، [ فَأَصَبْنَا ] شَيْئًا مِمَّا حَرَّمْتَهُ عَلَيْنَا .
6510 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ نِسْيَانِهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا . 6511 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ قَالَ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ نَزَلَتْ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَقُلْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَاخِذَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ بِمَا نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا ، فَيَسْأَلُوهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ بِذَلِكَ ؟ قِيلَ : إِنَّ النِّسْيَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيعِ مِنَ الْعَبْدِ وَالتَّفْرِيطِ ، وَالْآخِرُ عَلَى وَجْهِ عَجْزِ النَّاسِي عَنْ حِفْظِ مَا اسْتُحْفِظَ وَوُكِّلَ بِهِ ، وَضَعْفِ عَقْلِهِ عَنِ احْتِمَالِهِ .
فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيعِ مِنْهُ وَالتَّفْرِيطِ ، فَهُوَ تَرْكٌ مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ . فَذَلِكَ الَّذِي يُرَغِّبُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي تَرْكِهِ مُؤَاخَذَتَهُ بِهِ ، وَهُوَ النِّسْيَانُ الَّذِي عَاقَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [ سُورَةُ طه : 115 ] ، وَهُوَ النِّسْيَانُ الَّذِي قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 51 ] . فَرَغْبَةُ الْعَبْدِ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا فِيمَا كَانَ مِنْ نِسْيَانٍ مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي وَصَفْنَا ، مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مَا تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُ فِيهِ وَتَضْيِيعًا كُفْرًا بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
فَإِنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كُفْرًا بِاللَّهِ ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ إِلَى اللَّهِ فِي تَرْكِهِ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمُ الشِّرْكَ بِهِ ، فَمَسْأَلَتُهُ فِعْلَ مَا قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ خَطَأٌ . وَإِنَّمَا تَكُونُ مَسْأَلَتُهُ الْمَغْفِرَةَ فِيمَا كَانَ مِنْ مِثْلِ نِسْيَانِهِ الْقُرْآنَ بَعْدَ حِفْظِهِ بِتَشَاغُلِهِ عَنْهُ وَعَنْ قِرَاءَتِهِ ، وَمِثْلَ نِسْيَانِهِ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا بِاشْتِغَالِهِ عَنْهُمَا بِغَيْرِهِمَا حَتَّى ضَيَّعَهُمَا . وَأَمَّا الَّذِي الْعَبْدُ بِهِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ لِعَجْزِ بِنْيَتِهِ عَنْ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ احْتِمَالِ عَقْلِهِ مَا وُكِّلَ بِمُرَاعَاتِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ ، وَهُوَ بِهِ غَيْرُ آثِمٍ ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ لَهُ ، لِأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ مِنْهُ لَهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِذَنْبٍ ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَمْرِ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى تَذَكُّرِهِ وَحِفْظِهِ ، كَالرَّجُلِ يَحْرِصُ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ بِجِدٍّ مِنْهُ فَيَقْرَأُهُ ، ثُمَّ يَنْسَاهُ بِغَيْرِ تَشَاغُلٍ مِنْهُ بِغَيْرِهِ عَنْهُ ، وَلَكِنْ بِعَجْزِ بِنْيَتِهِ عَنْ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ احْتِمَالِ عَقْلِهِ ذِكْرَ مَا أَوْدَعَ قَلْبَهُ مِنْهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ النِّسْيَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَجُوزُ مَسْأَلَةُ الرَّبِّ مَغْفِرَتَهُ ، لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَيَغْفِرُ لَهُ بِاكْتِسَابِهِ .
وَكَذَلِكَ الْخَطَأُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : مِنْ وَجْهِ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْعَبْدُ فَيَأْتِيهِ بِقَصْدٍ مِنْهُ وَإِرَادَةٍ ، فَذَلِكَ خَطَأٌ مِنْهُ ، وَهُوَ بِهِ مَأْخُوذٌ . يُقَالُ مِنْهُ : خُطِّئَ فُلَانٌ وَأَخْطَأَ فِيمَا أَتَى مِنَ الْفِعْلِ ، وَ أَثِمَ إِذَا أَتَى مَا يَأْثَمُ فِيهِ وَرَكِبَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : النَّاسُ يَلْحَوْنَ الْأَمِيرِ إِذَا هُمُ خَطِئُوا الصَّوَابَ وَلَا يُلَامُ الْمُرْشَدُ يَعْنِي : أَخْطَئُوا الصَّوَابَ ، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي يُرْغَبُ الْعَبْدَ إِلَى رَبِّهِ فِي صَفْحِ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ إِثْمٍ عَنْهُ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُفْرًا . وَالْآخَرُ مِنْهُمَا : مَا كَانَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْجَهْلِ بِهِ ، وَالظَّنِّ مِنْهُ بِأَنَّ لَهُ فِعْلَهُ كَالَّذِي يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلًا وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ أَوْ يُؤَخِّرْ صَلَاةً فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ بِتَأْخِيرِهِ إِيَّاهَا دُخُولَ وَقْتِهَا ، فَيَخْرُجُ وَقْتَهَا وَهُوَ يَرَى أَنَّ وَقْتَهَا لَمْ يَدْخُلْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ الْمَوْضُوعِ عَنِ الْعَبْدِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ عِبَادِهِ الْإِثْمَ فِيهِ ، فَلَا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ بِهِ .
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ بِمَا نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ ، إِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أَوْ لِمَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّذَلُّلِ لَهُ وَالْخُضُوعِ بِالْمَسْأَلَةِ ، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ مَسْأَلَتِهِ الصَّفْحَ ، فَمَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَهُمْ وَلِلْبَيَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ كِتَابٌ سَنَأْتِي فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قُولُوا : رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا يَعْنِي بِ الْإِصْرِ الْعَهْدَ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 81 ] . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا وَلَا تَحْمِلُ عَلَيْنَا عَهْدًا فَنَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ وَلَا نَسْتَطِيعُهُ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا يَعْنِي : عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كُلِّفُوا أَعْمَالًا وَأُخِذَتْ عُهُودُهُمْ وَمَوَاثِيقُهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا ، فَلَمْ يَقُومُوا بِهَا فَعُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ .
فَعَلَّمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - الرَّغْبَةَ إِلَيْهِ بِمَسْأَلَتِهِ أَنْ لَا يُحَمِّلَهُمْ مِنْ عُهُودِهِ وَمَوَاثِيقِهِ عَلَى أَعْمَالٍ - إِنْ ضَيَّعُوهَا أَوْ أَخْطَئُوا فِيهَا أَوْ نَسُوهَا - مِثْلَ الَّذِي حَمَّلَ مَنْ قَبْلَهُمْ ، فَيُحِلُّ بِهِمْ بِخَطَئِهِمْ فِيهِ وَتَضْيِيعِهِمْ إِيَّاهُ مِثْلَ الَّذِي أَحَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6512 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا قَالَ : لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا عَهْدًا وَمِيثَاقًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا .
6519 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : الْإِصْرُ الْعَهْدُ . وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ 81 ] ، قَالَ : عَهْدِي . 6520 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ، قَالَ : عَهْدِي .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذُنُوبًا وَإِثْمًا كَمَا حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْأُمَمِ فَتَمْسَخُنَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ كَمَا مَسَخْتَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6521 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : لَا تَمْسَخْنَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ . 6522 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذَنَبًا لَيْسَ فِيهِ تَوْبَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْإِصْرِ بِكَسْرِ الْأَلِفِ : الثِّقْلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6523 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا يَقُولُ : التَّشْدِيدُ الَّذِي شَدَّدَتَّهُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . 6524 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ سَأَلْتُهُ - يَعْنِي مَالِكًا - عَنْ قَوْلِهِ : وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا قَالَ : الْإِصْرُ ، الْأَمْرُ الْغَلِيظُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَمَّا الْأَصْرُ بِفَتْحِ الْأَلِفِ : فَهُوَ مَا عَطَفَ الرَّجُلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ رَحِمٍ أَوْ قُرَابَةٍ ، يُقَالُ : أَصَرَتْنِي رَحِمٌ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ عَلَيْهِ بِمَعْنَى : عَطَفَتْنِي عَلَيْهِ . وَمَا يَأْصِرُنِي عَلَيْهِ أَيْ : مَا يَعْطِفُنِي عَلَيْهِ . وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ آصِرَةٌ رَحِمٌ تَأْصِرُنِي عَلَيْهِ أَصْرًا يَعْنِي بِهِ : عَاطِفَةَ رَحِمٍ تَعْطِفُنِي عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَقُولُوا أَيْضًا : رَبَّنَا لَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ ، لِثِقَلِ حَمْلِهِ عَلَيْنَا . وَكَذَلِكَ كَانَتْ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَتَأَوَّلُونَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6525 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ تَشْدِيدٌ يُشَدِّدُ بِهِ ، كَمَا شَدَّدَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ .
6529 - حَدَّثَنِي سَلَامُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُوخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ عَنْ سَالِمِ بْنِ شَابُورَ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ : الْغُلْمَةُ . 6530 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ مِنَ التَّغْلِيظِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّحْرِيمِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ : وَلَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ ، عَلَى نَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ عَقِيبَ مَسْأَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُمْ إِنْ نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا ، وَأَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ إِصْرًا كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَكَانَ إِلْحَاقُ ذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمُ التَّيْسِيرَ فِي الدِّينِ أَوْلَى مِمَّا خَالَفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - خَبَرًا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ تَيْسِيرَ فَرَائِضِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ لِأَنَّهُمْ عَقَّبُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : وَاعْفُ عَنَّا مَسْأَلَةً مِنْهُمْ رَبَّهُمْ أَنْ يَعْفُوَ لَهُمْ عَنْ تَقْصِيرٍ إِنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ ، فَيَصْفَحُ لَهُمْ عَنْهُ وَلَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ . وَإِنْ خَفَّ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ عَلَى أَبْدَانِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6531 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَاعْفُ عَنَّا قَالَ : اعْفُ عَنَّا إِنَّ قَصَّرْنَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ مِمَّا أَمَرْتَنَا بِهِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَاغْفِرْ لَنَا يَعْنِي : وَاسْتُرْ عَلَيْنَا زَلَّةً إِنْ أَتَيْنَاهَا فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ، فَلَا تَكْشِفْهَا وَلَا تَفْضَحْنَا بِإِظْهَارِهَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْمَغْفِرَةِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
6532 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَاغْفِرْ لَنَا إِنِ انْتَهَكْنَا شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتَنَا عَنْهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَارْحَمْنَا ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : تَغَمَّدْنَا مِنْكَ بِرَحْمَةٍ تُنْجِينَا بِهَا مِنْ عِقَابِكَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ مِنْ عِقَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ إِيَّاهُ دُونَ عَمَلِهِ ، وَلَيْسَتْ أَعْمَالُنَا مُنْجِيَتَنَا إِنْ أَنْتَ لَمْ تَرْحَمْنَا ، فَوَفِّقْنَا لِمَا يُرْضِيكَ عَنَّا ، كَمَا : - 6533 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَوْلَهُ : وَارْحَمْنَا قَالَ يَقُولُ : لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِمَا أَمَرْتَنَا بِهِ ، وَلَا تَرْكَ مَا نَهَيْتَنَا عَنْهُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ . قَالَ : وَلَمْ يَنْجُ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 286 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنْتَ مَوْلَانَا أَنْتَ وَلِيُّنَا بِنَصْرِكَ ، دُونَ مَنْ عَادَاكَ وَكَفَرَ بِكَ ، لِأَنَّا مُؤْمِنُونَ بِكَ ، وَمُطِيعُوكَ فِيمَا أَمَرْتَنَا وَنَهَيْتَنَا ، فَأَنْتَ وَلِيُّ مَنْ أَطَاعَكَ ، وَعَدُوُّ مَنْ كَفَرَ بِكَ فَعَصَاكَ فَانْصُرْنَا لِأَنَّا حِزْبَكَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَكَ ، وَعَبَدُوا الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ دُونَكَ ، وَأَطَاعُوا فِي مَعْصِيَتِكَ الشَّيْطَانَ . وَ الْمَوْلَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَفْعَلِ مِنْ : وَلِي فُلَانٌ أَمْرَ فُلَانٍ ، فَهُوَ يَلِيهِ وَلَايَةً ، وَهُوَ وَلِيُّهُ وَمَوْلَاهُ . وَإِنَّمَا صَارَتِ الْيَاءُ مِنْ وَلَّى أَلِفًا لِانْفِتَاحِ اللَّامِ قَبْلَهَا ، الَّتِي هِيَ عَيْنُ الِاسْمِ .
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمَّا أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ . ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِذَلِكَ : 6534 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَا حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قَالَ : قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . فَلَمَّا قَرَأَ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَا أُحَمِّلُكُمْ .
فَلَمَّا قَرَأَ : وَاغْفِرْ لَنَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . فَلَمَّا قَرَأَ : وَارْحَمْنَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قَدْ رَحِمْتُكُمْ فَلَمَّا قَرَأَ : وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قَدْ نَصَرْتُكُمْ عَلَيْهِمْ . 6535 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ .
وَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : قُلْ : رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ . فَقَالَ : قُلْ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ فَعَلَ . فَقَالَ : قُلْ : وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَقَالَهَا ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ .
6539 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ وَيَقُولُ : قَدْ فَعَلْتُ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ وَيَقُولُ : قَدْ فَعَلْتُ . فَأُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَمْ تُعْطَهَا الْأُمَمُ قَبْلَهَا . 6540 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إِلَى قَوْلِهِ : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا قَالَ : قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا إِلَى قَوْلِهِ : لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : لَا أُؤَاخِذُكُمْ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : لَا أَحْمِلُ عَلَيْكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، قَالَ : قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ وَغَفَرْتُ لَكُمْ ، وَرَحِمْتُكُمْ ، وَنَصَرْتُكُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .
وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّ إِجَابَةَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةٌ : 6541 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا : كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لَهُ : سَلْهَا ! فَسَأَلَهَا نَبِيُّ اللَّهِ رَبَّهُ جَلَّ ثَنَاءَهُ ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً . 6542 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : أَنَّ مُعَاذًا كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قَالَ : آمِينَ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ