الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . . . . "
) ( 56 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأَمَّا الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَكَ يَا عِيسَى ، وَخَالَفُوا مِلَّتَكَ ، وَكَذَّبُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَقَالُوا فِيكَ الْبَاطِلَ ، وَأَضَافُوكَ إِلَى غَيْرِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُضِيفُوكَ إِلَيْهِ ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ أَصْنَافِ الْأَدْيَانِ ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَبِالْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ وَالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِنَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ يَقُولُ : وَمَا لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَانِعٌ ، وَلَا عَنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ لَهُمْ دَافِعٌ بِقُوَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ ، لِأَنَّهُ الْعَزِيزُ ذُو الِانْتِقَامِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ يَا عِيسَى - يَقُولُ : صَدَّقُوكَ - فَأَقَرُّوا بِنُبُوَّتِكَ وَبِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِي ، وَدَانُوا بِالْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثْتُكَ بِهِ ، وَعَمِلُوا بِمَا فَرَضْتُ مِنْ فَرَائِضِي عَلَى لِسَانِكَ ، وَشَرَعْتُ مِنْ شَرَائِعِي ، وَسَنَنْتُ مِنْ سُنَنِي . كَمَا : 7156 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَقُولُ : أَدَّوْا فَرَائِضِي .
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ يَقُولُ : فَيُعْطِيهِمْ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ كَامِلًا لَا يُبْخَسُونَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُنْقَصُونَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ حَقًا لَهُ ، أَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . فَنَفَى - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ أَنْ يَظْلِمَ عِبَادَهُ ، فَيُجَازِي الْمُسِيءَ مِمَّنْ كَفَرَ جَزَاءَ الْمُحْسِنِينَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ ، أَوْ يُجَازِي الْمُحْسِنَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فَأَطَاعَهُ ، جَزَاءَ الْمُسِيئِينَ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ .
فَقَالَ : إِنِّي لَا أُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، فَكَيْفَ أَظْلِمُ خَلْقِي ؟ وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ ، فَإِنَّهُ وَعِيدٌ مِنْهُ لِلْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ ، وَوَعْدٌ مِنْهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ ، لِأَنَّهُ أَعْلَمَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَنَّهُ لَا يَبْخَسُ هَذَا الْمُؤْمِنَ حَقَّهُ ، وَلَا يَظْلِمُ كَرَامَتَهُ فَيَضَعُهَا فِيمَنْ كَفَرَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، فَيَكُونُ لَهَا بِوَضْعِهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا ظَالِمًا .