الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَدَّتْ تَمَنَّتْ طَائِفَةٌ يَعْنِي جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ مِنَ الْيَهُودِ ، وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ مِنَ النَّصَارَى لَوْ يُضِلُّونَكُمْ يَقُولُونَ : لَوْ يَصُدُّونَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَيَرُدُّونَكُمْ عَنْهُ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ ، فَيُهْلِكُونَكُمْ بِذَلِكَ . وَ الْإِضْلَالُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْإِهْلَاكُ ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ سُورَةُ السَّجْدَةِ : 10 ] ، يَعْنِي : إِذَا هَلَكْنَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ فِي هِجَاءِ جَرِيرٍ : كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجٍ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا يُعْنَى : هَلَكَ هَلَاكًا ، وَقَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وَغُودِرَ بِالْجَوْلَانِ حَزْمٌ ونَائِلُ يَعْنِي مُهْلِكُوهُ . وَمَا يَضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يُهْلِكُونَ - بِمَا يَفْعَلُونَ مِنْ مُحَاوَلَتِهِمْ صَدِّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ - أَحَدًا غَيْرَ أَنْفُسِهِمْ ، يَعْنِي بِ أَنْفُسِهِمْ : أَتْبَاعَهُمْ وَأَشْيَاعَهُمْ عَلَى مِلَّتِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ ، وَإِنَّمَا أَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَتْبَاعَهُمْ بِمَا حَاوَلُوا مِنْ ذَلِكَ لِاسْتِيجَابِهِمْ مِنَ اللَّهِ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ سُخْطَهُ ، وَاسْتِحْقَاقِهِمْ بِهِ غَضَبَهُ وَلَعْنَتَهُ ، لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ، وَنَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِمْ ، فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَصْدِيقِهِ ، وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِهِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاءُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ ، مِنْ مُحَاوَلَةِ صَدِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ وَالرَّدَى ، عَلَى جَهْلٍ مِنْهُمْ بِمَا اللَّهُ بِهِمُ مُحِلٌّ مِنْ عُقُوبَتِهِ ، وَمُدَّخِرٌ لَهُمْ مِنْ أَلِيمِ عَذَابِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ لَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ، بِمُحَاوَلَتِهِمْ إِضْلَالَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا يَشْعُرُونَ وَمَا يَدْرُونَ وَلَا يَعْلَمُونَ . وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ .