الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ، إِنْ تَنَالُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، سُرُورًا بِظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ ، وَتَتَابُعِ النَّاسِ فِي الدُّخُولِ فِي دِينِكُمْ ، وَتَصْدِيقِ نَبِيِّكُمْ وَمُعَاوَنَتِكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ يَسُؤْهُمْ . وَإِنْ تَنَلْكُمْ مَسَاءَةٌ بِإِخْفَاقِ سَرِيَّةٍ لَكُمْ ، أَوْ بِإِصَابَةِ عَدُوٍّ لَكُمْ مِنْكُمْ ، أَوِ اخْتِلَافٍ يَكُونُ بَيْنَ جَمَاعَتِكُمْ يَفْرَحُوا بِهَا . كَمَا : - 7705 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ، فَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أُلْفَةً وَجَمَاعَةً وَظُهُورًا عَلَى عَدُوِّهِمْ ، غَاظَهُمْ ذَلِكَ وَسَاءَهُمْ ، وَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فُرْقَةً وَاخْتِلَافًا ، أَوْ أُصِيبَ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ الْمُسْلِمِينَ ، سَرَّهُمْ ذَلِكَ وَأُعْجِبُوا بِهِ وَابْتَهَجُوا بِهِ .
فَهُمْ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ أَكْذَبَ اللَّهُ أُحْدُوثَتَهُ ، وَأَوْطَأَ مَحِلَّتَهُ ، وَأَبْطَلَ حُجَّتَهُ ، وَأَظْهَرَ عَوْرَتَهُ ، فَذَاكَ قَضَاءُ اللَّهِ فِيمَنْ مَضَى مِنْهُمْ وَفِيمَنْ بَقِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . 7706 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَوْلُهُ : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ، قَالَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ ، إِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةً وَظُهُورًا عَلَى عَدُوِّهِمْ ، غَاظَهُمْ ذَلِكَ غَيْظًا شَدِيدًا وَسَاءَهُمْ . وَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فُرْقَةً وَاخْتِلَافًا ، أَوْ أُصِيبَ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ الْمُسْلِمِينَ ، سِرَّهُمْ ذَلِكَ وَأُعْجِبُوا بِهِ .
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . 7707 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ، قَالَ : إِذَا رَأَوْا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَمَاعَةً وَأُلْفَةً سَاءَهُمْ ذَلِكَ ، وَإِذَا رَأَوْا مِنْهُمْ فُرْقَةً وَاخْتِلَافًا فَرِحُوا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تَصْبِرُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ : مِنِ اتِّخَاذِ بِطَانَةٍ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ مَا نَهَاكُمْ وَتَتَّقُوا رَبَّكُمْ ، فَتَخَافُوا التَّقَدُّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ وَأَوجِبَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ، أَيْ : كَيْدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ .
وَيَعْنِي بِ كَيَدِهِمْ ، غَوَائِلَهُمُ الَّتِي يَبْتَغُونَهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَمَكْرَهُمْ بِهِمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنِ الْهُدَى وَسَبِيلِ الْحَقِّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلُهُ : لَا يَضُرُّكُمْ . فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : ( لَا يَضِرْكُمْ ) مُخَفَّفَةً بِكَسْرِ الضَّادِ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : ضَارَنِي فُلَانٌ فَهُوَ يَضِيرُنِي ضَيْرًا .
وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ : مَا يَنْفَعُنِي وَلَا يَضُورُنِي ، فَلَوْ كَانَتْ قُرِئَتْ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ لَقِيلَ : ( لَا يَضُرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا بِضَمِّ الضَّادِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : ضَرَّنِي فُلَانٌ فَهُوَ يَضُرُّنِي ضَرًا . وَأَمَّا الرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ : لَا يَضُرُّكُمْ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : عَلَى إِتْبَاعِ الرَّاءِ فِي حَرَكَتِهَا - إِذْ كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْجَزْمَ ، وَلَمْ يُمْكِنْ جَزْمُهَا لِتَشْدِيدِهَا - أَقْرَبَ حَرَكَاتِ الْحُرُوفِ الَّتِي قَبِلَهَا . وَذَلِكَ حَرَكَةُ الضَّادِ وَهِيَ الضَّمَّةُ ، فَأُلْحِقَتْ بِهَا حَرَكَةُ الرَّاءِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا ، كَمَا قَالُوا : مُدَّ يَا هَذَا . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ وَجْهَيِ الرَّفْعِ فِي ذَلِكَ : أَنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلَى صِحَّةٍ ، وَتَكُونُ لَا بِمَعْنَى لَيْسَ ، وَتَكُونُ الْفَاءُ الَّتِي هِيَ جَوَابُ الْجَزَاءِ ، مَتْرُوكَةً لِعِلْمِ السَّامِعِ بِمَوْضِعِهَا .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ، فَلَيْسَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا - ثُمَّ تُرِكَتِ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ : لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ ، وَوُجِّهَتْ لَا إِلَى مَعْنَى لَيْسَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَإِنْ كَانَ لَا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي إِلَى قَطَرِيٍّ ، لَا إِخَالُكَ رَاضِيَاٍ وَلَوْ كَانَتِ الرَّاءُ مُحَرَّكَةً إِلَى النَّصْبِ وَالْخَفْضِ ، كَانَ جَائِزًا ، كَمَا قِيلَ : مُدَّ يَا هَذَا ، وَمُدِّ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ بِمَا يُعْمِلُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ مِنَ الْفَسَادِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَالْعَدَاوَةِ لِأَهْلِ دِينِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ مُحِيطٌ بِجَمِيعِهِ ، حَافِظٌ لَهُ ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهُ ، حَتَّى يُوَفِّيَهُمْ جَزَاءَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَيُذِيقَهُمْ عُقُوبَتَهُ عَلَيْهِ .