الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاذْكُرْ أَيْضًا مِنْ [ أَمْرِ ] هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْهُمْ ، يَا مُحَمَّدُ ، إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ ، لَيُبَيِّنُنَّ لِلنَّاسِ أَمْرَكَ الَّذِي أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ عَلَى بَيَانِهِ لِلنَّاسِ فِي كِتَابِهِمُ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ ، وَأَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ بِالْحَقِّ ، وَلَا يَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، يَقُولُ : فَتَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ وَضَيَّعُوهُ . وَنَقَضُوا مِيثَاقَهُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، فَكَتَمُوا أَمْرَكَ ، وَكَذَّبُوا بِكَ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ، يَقُولُ : وَابْتَاعُوا بِكِتْمَانِهِمْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ مَنْ أَمْرِ نُبُوَّتِكَ ، عِوَضًا مِنْهُ خَسِيسًا قَلِيلًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا ثُمَّ ذَمَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ شِرَاءَهُمْ مَا اشْتَرَوْا بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهَا الْيَهُودُ خَاصَّةً . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8318 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : أَنَّهُ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ إِلَى قَوْلِهِ : عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يَعْنِي : فِنْحَاصُ وَأَشْيَعُ وَأَشْبَاهُهُمَا مِنَ الْأَحْبَارِ . 8319 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
8323 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ، قَالَ : وَكَانَ فِيهِ إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَهُ عَلَى عِبَادِهِ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنِي بِذَلِكَ كُلَّ مَنْ أُوتِيَ عِلْمًا بِأَمْرِ الدِّينِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8324 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ الْآيَةَ ، هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيُعَلِّمْهُ ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ كِتْمَانَ الْعِلْمِ هَلَكَةٌ ، وَلَا يَتَكَلَّفَنَّ رَجُلٌ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، فَيَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ فَيَكُونُ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ، كَانَ يُقَالُ : مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُقَالُ بِهِ ، كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ ! وَمَثَلُ حِكْمَةٍ لَا تَخْرُجُ ، كَمَثَلِ صَنَمٍ قَائِمٍ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ .
وَكَانَ يُقَالُ : طُوبَى لِعَالِمٍ نَاطِقٍ ، وَطُوبَى لِمُسْتَمِعٍ وَاعٍ . هَذَا رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَعَلَّمَهُ وَبَذَلَهُ وَدَعَا إِلَيْهِ ، وَرَجُلٌ سَمِعَ خَيْرًا فَحَفِظَهُ وَوَعَاهُ وَانْتَفَعَ بِهِ . 8325 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ وَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ : إِنَّ أَخَاكُمْ كَعْبًا يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ ، وَيُبَشِّرُكُمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ فِيكُمْ : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ .
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : وَأَنْتَ فَأَقْرِهِ السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ وَهُوَ يَهُودِيٌّ . 8326 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بِنَحْوِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَكَعْبٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ عَلَى قَوْمِهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ : فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ بِالتَّاءِ . وَهِيَ قِرَاءَةُ عُظْمِ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ ، عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبِ ، بِمَعْنَى : قَالَ اللَّهُ لَهُمْ : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ بِالْيَاءِ جَمِيعًا ، عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، لِأَنَّهُمْ فِي وَقْتِ إِخْبَارِ اللَّهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ ، كَانُوا غَيْرَ مَوْجُودِينَ ، فَصَارَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ كَالْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ ، صَحِيحَةٌ وُجُوهُهُمَا ، مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْإِسْلَامِ ، غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيِ الْمَعَانِي ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ فِي ذَلِكَ .
غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنْ أَحَبَّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا : ( لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ ) ، بِالْيَاءِ جَمِيعًا ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ : فَنَبَذُوهُ ، إِذْ كَانَ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ عَلَى سَبِيلِ قَوْلِهِ : فَنَبَذُوهُ حَتَّى يَكُونَ مُتَّسِقًا كُلُّهُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَمِثَالٍ وَاحِدٍ . وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْخِطَابِ ، لَكَانَ أَنْ يُقَالَ : فَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ أَوْلَى ، مِنْ أَنْ يُقَالَ : فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَثَلٌ لِتَضْيِيعِهِمُ الْقِيَامَ بِالْمِيثَاقِ وَتَرْكِهِمُ الْعَمَلَ بِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8330 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْبَجَلِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ : فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، قَالَ : إِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يُقْرَءُونَهُ ، إِنَّمَا نَبَذُوا الْعَمَلَ بِهِ .
وَقَوْلُهُ : فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ، يَقُولُ : فَبِئْسَ الشِّرَاءُ يَشْتَرُونَ فِي تَضْيِيعِهِمُ الْمِيثَاقَ وَتَبْدِيلِهِمُ الْكِتَابَ ، كَمَا : - 8334 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ، قَالَ : تَبْدِيلُ الْيَهُودِ التَّوْرَاةَ .