الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تَدَخُّلِ النَّارَ مِنْ عِبَادِكَ فَتُخَلِّدُهُ فِيهَا ، فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ . قَالَ : وَلَا يَخْزَى مُؤْمِنٌ مَصِيرُهُ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنْ عُذِّبَ بِالنَّارِ بَعْضَ الْعَذَابِ .
قَالَ : قُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 37 ] ؟ قَالَ فَقَالَ لِي : إِنَّكَ وَاللَّهِ لَا تَسْطُو عَلَيَّ بِشَيْءٍ ، إِنَّ لِلنَّارِ أَهْلًا لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ . قَالَ قُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، فِيمَنْ دَخَلُوا ثُمَّ خَرَجُوا؟ قَالَ : كَانُوا أَصَابُوا ذُنُوبًا فِي الدُّنْيَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِهَا ، فَأَدْخَلَهُمْ بِهَا ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ ، بِمَا يَعْلَمُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ . 8359 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ، قَالَ : هُوَ مَنْ يَخْلُدُ فِيهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : رَبَّنَا إِنَّكَ مِنْ تُدْخِلِ النَّارَ ، مِنْ مُخَلَّدٍ فِيهَا وَغَيْرِ مُخَلَّدٍ فِيهَا ، فَقَدْ أُخْزِيَ بِالْعَذَابِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8360 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ بَحْرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي عُمْرَةٍ ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ أَنَا وَعَطَاءٌ فَقُلْتُ : رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ؟ قَالَ : وَمَا أَخْزَاهُ حِينَ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ! وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ لَخِزْيًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي ، قَوْلُ جَابِرٍ : إِنَّ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ فَقَدْ أُخْزِيَ بِدُخُولِهِ إِيَّاهَا ، وَإِنْ أُخْرِجَ مِنْهَا .
وَذَلِكَ أَنَّ الْخِزْيَ إِنَّمَا هُوَ هَتْكُ سِتْرِ الْمَخْزِيِّ وَفَضِيحَتُهُ ، وَمَنْ عَاقَبَهُ رَبُّهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى ذُنُوبِهِ ، فَقَدْ فَضَحَهُ بِعِقَابِهِ إِيَّاهُ ، وَذَلِكَ هُوَ الْخِزْيُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ، يَقُولُ : وَمَا لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ فَعَصَاهُ ، مِنْ ذِي نُصْرَةٍ لَهُ يَنْصُرُهُ مِنَ اللَّهِ ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ عِقَابَهُ ، أَوْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِهِ .