الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ مَسْأَلَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ رَبَّهُمْ أَنْ يُؤْتِيَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ مُنْجِزُ وَعَدِهِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِخْلَافُ مَوْعِدٍ؟ قِيلَ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبَحْثِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ قَوْلٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَسْأَلَةِ ، وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ ﴾ لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدَتْنَا عَلَى رِسْلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَالُوا : وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ تَوَفَّيْتَنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ، فَأَنْجِزْ لَنَا مَا وَعَدَتْنَا ، لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَأَنَّ مَا وَعَدَ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ لَيْسَ يُعْطِيهِ بِالدُّعَاءِ ، وَلَكِنَّهُ تَفَضَّلَ بِابْتِدَائِهِ ، ثُمَّ يُنْجِزُهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْ قَائِلِيهِ عَلَى مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ وَالدُّعَاءِ لِلَّهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُمْ مِمَّنْ آتَاهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ ، لَا أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ اسْتَحَقُّوا مَنْزِلَةَ الْكَرَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ فِي أَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ أَنْ يُؤْتِيَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَسْأَلَةً لِرَبِّهِمْ أَنْ لَا يُخْلِفَ وَعْدَهُ . قَالُوا : وَلَوْ كَانَ الْقَوْمُ إِنَّمَا سَأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يُؤْتِيَهُمْ مَا وَعَدَ الْأَبْرَارَ ، لَكَانُوا قَدْ زَكَّوْا أَنْفُسَهُمْ ، وَشَهِدُوا لَهَا أَنَّهَا مِمَّنْ قَدِ اسْتَوْجَبَ كَرَامَةَ اللَّهِ وَثَوَابَهُ .
قَالُوا . وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةَ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَالرَّغْبَةِ مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتِيَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، وَالظَّفَرِ بِهِمْ ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ ، فَيُعَجِّلُ ذَلِكَ لَهُمْ .
قَالُوا : وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ مَعَ وَصْفِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ ، كَانُوا عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، فَيَرْغَبُوا إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا وُعِدُوا النَّصْرَ ، وَلَمْ يُوَقَّتْ لَهُمْ فِي تَعْجِيلِ ذَلِكَ لَهُمْ ، لِمَا فِي تَعَجُّلِهِ مِنْ سُرُورِ الظَّفَرِ وَرَاحَةِ الْجَسَدِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ ، صِفَةُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَطَنِهِ وَدَارِهِ ، مُفَارِقًا لِأَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ تُبَّاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ فِي تَعْجِيلِ نُصْرَتِهِمْ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِهِمْ ، فَقَالُوا : رَبَّنَا آتِنَا مَا وَعَدَتْنَا مِنْ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ عَاجِلًا فَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَلَكِنْ لَا صَبْرَ لَنَا عَلَى أَنَاتِكَ وَحِلْمِكَ عَنْهُمْ ، فَعَجِّلْ [ لَهُمْ ] خِزْيَهُمْ ، وَلَنَا الظَّفَرَ عَلَيْهِمْ . يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ آخِرُ الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا الْآيَاتِ بَعْدَهَا .
وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الَّذِينَ حَكَيْتُ قَوْلَهُمْ فِي شَيْءٍ . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : افْعَلْ بِنَا يَا رَبِّ كَذَا وَكَذَا ، بِمَعْنَى : لِتَفْعَلَ بِنَا كَذَا وَكَذَا . وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ ، لَجَازَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ لِآخَرَ : أَقْبِلْ إِلَيَّ وَكَلِّمْنِي ، بِمَعْنَى : أَقْبِلْ إِلَيَّ لِتُكَلِّمَنِي ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكَلَامِ وَلَا مَعْرُوفٌ جَوَازُهُ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْكَلَامِ : آتِنَا مَا وَعَدَتْنَا ، بِمَعْنَى : اجْعَلْنَا مِمَّنْ آتَيْتَهُ ذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا سَنِيًّا ، فَقَدْ صُيِّرَ نَظِيرًا لِمَنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُعْطِيَهُ . وَلَكِنْ لَيْسَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَئُولُ مَعْنَاهُ إِلَيْهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : رَبَّنَا أَعْطِنَا مَا وَعَدَتْنَا عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِكَ : إِنَّكَ تُعْلِي كَلِمَتَكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ ، بِتَأْيِيدِنَا عَلَى مَنْ كَفَرَ بِكَ وَحَادَّكَ وَعَبَدَ غَيْرَكَ وَعَجِّلْ لَنَا ذَلِكَ ، فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ لَا تُخْلِفُ مِيعَادَكَ - وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَفْضَحْنَا بِذُنُوبِنَا الَّتِي سَلَفَتْ مِنَّا ، وَلَكِنْ كَفِّرْهَا عَنَّا وَاغْفِرْهَا لَنَا . وَقَدْ : - 8366 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدَتْنَا عَلَى رُسُلِكَ ، قَالَ : يَسْتَنْجِزُ مَوْعُودَ اللَّهِ عَلَى رُسُلِهِ .