الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : دَرَجَاتٍ مِنْهُ ، فَضَائِلَ مِنْهُ وَمَنَازِلَ مِنْ مَنَازِلَ الْكَرَامَةِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الدَّرَجَاتِ الَّتِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : دَرَجَاتٍ مِنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 10256 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ، كَانَ يُقَالُ : الْإِسْلَامُ دَرَجَةٌ ، وَالْهِجْرَةُ فِي الْإِسْلَامِ دَرَجَةٌ ، وَالْجِهَادُ فِي الْهِجْرَةِ دَرَجَةٌ ، وَالْقَتْلُ فِي الْجِهَادِ دَرَجَةٌ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 10257 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ الدَّرَجَاتُ هِيَ السَّبْعُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ : مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 120 - 121 ] .
قَالَ : هَذِهِ السَّبْعُ الدَّرَجَاتِ . قَالَ : وَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ ، فَكَانَتْ دَرَجَةُ الْجِهَادِ مُجْمَلَةً ، فَكَانَ الَّذِي جَاهَدَ بِمَالِهِ لَهُ اسْمٌ فِي هَذِهِ ، فَلَمَّا جَاءَتْ هَذِهِ الدَّرَجَاتُ بِالتَّفْصِيلِ أُخْرِجَ مِنْهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا إِلَّا النَّفَقَةُ ، فَقَرَأَ : لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ، وَقَالَ : لَيْسَ هَذَا لِصَاحِبِ النَّفَقَةِ . ثُمَّ قَرَأَ : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً ، قَالَ : وَهَذِهِ نَفَقَةُ الْقَاعِدِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10258 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ .
عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ فِي قَوْلِهِ : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ ، إِلَى قَوْلِهِ : دَرَجَاتٍ قَالَ : الدَّرَجَاتُ سَبْعُونَ دَرَجَةً ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ حُضْرُ الْفَرَسِ الْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : دَرَجَاتٍ مِنْهُ ، أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ . لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : دَرَجَاتٍ مِنْهُ : تَرْجَمَةٌ وَبَيَانٌ عَنْ قَوْلِهِ : أَجْرًا عَظِيمًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَجْرَ ، إِنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْجَزَاءُ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَتِ الدَّرَجَاتُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ تَرْجَمَةً عَنْهُ ، كَانَ مَعْلُومًا أَنْ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ وَجَّهَ مَعْنَى قَوْلِهِ : دَرَجَاتٍ مِنْهُ ، إِلَى الْأَعْمَالِ وَزِيَادَتِهَا عَلَى أَعْمَالِ الْقَاعِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ : وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ الصَّحِيحُ مِنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا ، فَبَيِّنٌ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ ، أَجْرًا عَظِيمًا ، وَثَوَابًا جَزِيلًا وَهُوَ دَرَجَاتٌ أَعْطَاهُمُوهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ ، رَفَعَهُمْ بِهَا عَلَى الْقَاعِدِينَ بِمَا أَبْلَوْا فِي ذَاتِ اللَّهِ . وَمَغْفِرَةً يَقُولُ : وَصَفَحَ لَهُمْ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ، فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَلَيْهَا وَرَحْمَةً يَقُولُ : وَرَأْفَةً بِهِمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا يَقُولُ : وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ غَفُورًا لِذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، يَصْفَحُ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا رَحِيمًا بِهِمْ ، يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ ، مَعَ خِلَافِهِمْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، وَرُكُوبِهِمْ مَعَاصِيَهُ .