الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ : إِنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَنْعَمُ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ ، مَنْ يَعْمَلُ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذُكُورِكُمْ وَإِنَاثِكُمْ ، وَذُكُورِ عِبَادِي وَإِنَاثِهِمْ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي وَبِرَسُولِي مُحَمَّدٍ ، مُصَدِّقٌ بِوَحْدَانِيَّتِي وَبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِي لَا أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِي ، الْمُكَذِّبُونَ رَسُولِي ، فَلَا تَطْمَعُوا أَنْ تَحُلُّوا - وَأَنْتُمْ كُفَّارٌ - مَحَلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِي ، وَتَدْخُلُوا مَدَاخِلَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ ، وَأَنْتُمْ مُكَذِّبُونَ بِرَسُولِي ، كَمَا : - 10535 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، قَالَ : أَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْإِيمَانَ إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْإِسْلَامَ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِمْ ، مِقْدَارَ النَّقْرَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةَ فِي الْقِلَّةِ ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ؟ وَإِنَّمَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَبْخَسُهُمْ مِنْ جَزَاءِ أَعْمَالِهِمْ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، وَلَكِنْ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ كَمَا وَعَدَهُمْ . وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى النَّقِيرِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10536 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ، قَالَ : النَّقِيرُ ، الَّذِي يَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةَ . 10537 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُرَّةُ ، عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ : النَّقِيرُ ، الَّذِي فِي وَسَطِ النَّوَاةِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : مَا وَجْهُ دُخُولِ : مِنْ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ، وَلَمْ يَقُلْ : وَمَنْ يَعْمَلِ الصَّالِحَاتِ ؟ قِيلَ : لِدُخُولِهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لَنْ يُطِيقُوا أَنْ يَعْمَلُوا جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، فَأَوْجَبَ وَعْدَهُ لِمَنْ عَمِلَ مَا أَطَاقَ مِنْهَا ، وَلَمْ يَحْرِمْهُ مِنْ فَضْلِهِ بِسَبَبِ مَا عَجَزَتْ عَنْ عَمَلِهِ مِنْهَا قُوَّتُهُ .
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا : أَنْ يَكُونَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَوْجَبَ وَعْدَهُ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَأَدَّى الْفَرَائِضَ ، وَإِنْ قَصَّرَ فِي بَعْضِ الْوَاجِبِ لَهُ عَلَيْهِ ، تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، إِذْ كَانَ الْفَضْلُ بِهِ أَوْلَى ، وَالصَّفْحُ عَنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ أَحْرَى . وَقَدْ تَقَوَّلَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، أَنَّهَا أُدْخِلَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى الْحَذْفِ ، وَيَتَأَوَّلُهُ : وَمَنْ يَعْمَلِ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ . وَذَلِكَ عِنْدِي غَيْرُ جَائِزٍ ، لِأَنَّ دُخُولَهَا لِمَعْنًى ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا الْحَذْفُ .