الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلِلَّهِ جَمِيعُ مُلْكِ مَا حَوَتْهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا . وَإِنَّمَا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ بِعَقِبِ قَوْلِهِ : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، تَنْبِيهًا مِنْهُ خَلْقَهُ عَلَى مَوْضِعِ الرَّغْبَةِ عِنْدَ فِرَاقِ أَحَدِهِمْ زَوْجَتَهُ ، لِيَفْزَعُوا إِلَيْهِ عِنْدَ الْجَزَعِ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَالْوَحْشَةِ بِفِرَاقِ سَكَنِهِ وَزَوْجَتِهِ وَتَذْكِيرًا مِنْهُ لَهُ أَنَّهُ الَّذِي لَهُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا ، وَأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، فَغَيْرُ مُتَعَذِّرٍ عَلَيْهِ أَنْ يُغْنِيَهُ وَكُلَّ ذِي فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ ، وَيُؤْنِسَ كُلَّ ذِي وَحْشَةٍ . ثُمَّ رَجَعَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى عَذْلِ مَنْ سَعَى فِي أَمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ وَتَوْبِيخِهِمْ ، وَوَعِيدِ مَنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمْ ، فَقَالَ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ، يَقُولُ : وَلَقَدْ أَمَرْنَا أَهْلَ الْكِتَابِ ، وَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَإِيَّاكُمْ يَقُولُ : وَأَمَرْنَاكُمْ وَقُلْنَا لَكُمْ وَلَهُمُ : اتَّقُوا اللَّهَ يَقُولُ : احْذَرُوا اللَّهَ أَنْ تَعْصُوهُ وَتُخَالِفُوا أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَإِنْ تَكْفُرُوا يَقُولُ : وَإِنْ تَجْحَدُوا وَصِيَّتَهُ إِيَّاكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فَتُخَالِفُوهَا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَقُولُ : فَإِنَّكُمْ لَا تَضُرُّونَ بِخِلَافِكُمْ وَصِيَّتَهُ غَيْرَ أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَعْدُونَ فِي كُفْرِكُمْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فِي نُزُولِ عُقُوبَتِهِ بِكُمْ ، وَحُلُولِ غَضَبِهِ عَلَيْكُمْ ، كَمَا حَلَّ بِهِمْ إِذْ بَدَّلُوا عَهْدَهُ وَنَقَضُوا مِيثَاقَهُ ، فَغَيَّرَ بِهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ خَفْضِ الْعَيْشِ وَأَمْنِ السِّرْبِ ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ .
وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ مُلْكَ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ بِجَمِيعِهِ وَبِشَيْءٍ مِنْهُ ، مِنْ إِعْزَازِ مَنْ أَرَادَ إِعْزَازَهُ ، وَإِذْلَالِ مَنْ أَرَادَ إِذْلَالَهُ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ كُلِّهَا ، لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ ، بِهِمْ إِلَيْهِ الْفَاقَةُ وَالْحَاجَةُ ، وَبِهِ قُوَاهُمْ وَبَقَاؤُهُمْ ، وَهَلَاكُهُمْ وَفَنَاؤُهُمْ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الَّذِي لَا حَاجَةَ تَحِلُّ بِهِ إِلَى شَيْءٍ ، وَلَا فَاقَةَ تَنْزِلُ بِهِ تَضْطَرُّهُ إِلَيْكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، وَلَا إِلَى غَيْرِكُمْ وَالْحَمِيدُ الَّذِي اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْخَلْقُ الْحَمْدَ بِصَنَائِعِهِ الْحَمِيدَةِ إِلَيْكُمْ ، وَآلَائِهِ الْجَمِيلَةِ لَدَيْكُمْ . فَاسْتَدِيمُوا ذَلِكَ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، بِاتِّقَائِهِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ ، كَمَا : 10674 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا سَيْفٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ، قَالَ : غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدًا قَالَ : مُسْتَحْمَدًا إِلَيْهِمْ .