الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ مِمَّنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ ، الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ الْكُفْرَ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ ثَوَابَ الدُّنْيَا يَعْنِي : عَرَضَ الدُّنْيَا ، بِإِظْهَارِهِ مَا أَظْهَرَ مِنَ الْإِيمَانِ بِلِسَانِهِ . فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا ، يَعْنِي : جَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا مِنْهَا وَثَوَابُهُ فِيهَا ، وَهُوَ مَا يُصِيبُ مِنَ الْمَغْنَمِ إِذَا شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ مَشْهَدًا ، وَأَمْنُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَأَمَّا ثَوَابُهُ فِي الْآخِرَةِ ، فَنَارُ جَهَنَّمَ .
فَمَعْنَى الْآيَةِ : مَنْ كَانَ مِنَ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَجَزَاءَهَا مِنْ عَمَلِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ مُجَازِيهِ بِهِ جَزَاءَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا ، وَجَزَاءَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْآخِرَةِ مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَهُوَ مَالِكٌ جَمِيعَهُ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ سُورَةُ هُودٍ : 15 - 16 ] . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : الَّذِينَ تَتَيَّعُوا فِي أَمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ ، وَالَّذِينَ وَصَفَهُمْ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 107 ، 108 ] ، وَمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ، يَعْنِي : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا لِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ثَوَابَ الدُّنْيَا بِأَعْمَالِهِمْ ، وَإِظْهَارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا يُظْهِرُونَ لَهُمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَوْلُهُمْ لَهُمْ : آمَنَّا بَصِيرًا ، يَعْنِي : وَكَانَ ذَا بَصَرٍ بِهِمْ وَبِمَا هُمْ عَلَيْهِ مُنْطَوُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ ، فِيمَا يَكْتُمُونَهُ وَلَا يُبْدُونَهُ لَهُمْ مِنَ الْغِشِّ وَالْغِلِّ الَّذِي فِي صُدُورِهِمْ لَهُمْ .