الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ ، وَسَلَّمُوا لَهُ الْأُلُوهَةِ وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُبُوَّتِهِ وَفِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، يَعْنِي : أَوْفُوا بِالْعُهُودِ الَّتِي عَاهَدْتُمُوهَا رَبَّكُمْ ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَاقَدْتُمُوهَا إِيَّاهُ ، وَأَوْجَبْتُمْ بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ حُقُوقًا ، وَأَلْزَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهَا لِلَّهِ فُرُوضًا ، فَأَتَمُّوهَا بِالْوَفَاءِ وَالْكَمَالِ وَالتَّمَامِ مِنْكُمْ لِلَّهِ بِمَا أَلْزَمَكُمْ بِهَا ، وَلِمَنْ عَاقَدْتَمُوهُ مِنْكُمْ ، بِمَا أَوْجَبْتُمُوهُ لَهُ بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَنْكُثُوهَا فَتَنْقُضُوهَا بَعْدَ تَوْكِيدِهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعُقُودِ ، الْعُهُودُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عَاقَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى النُّصْرَةِ وَالْمُؤَازَرَةِ وَالْمُظَاهَرَةِ عَلَى مَنْ حَاوَلَ ظُلْمَهُ أَوْ بَغَاهُ سُوءًا ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْحِلْفِ الَّذِي كَانُوا يَتَعَاقَدُونَهُ بَيْنَهُمْ .
ذُكِرُ مِنْ قَالَ : مَعْنَى الْعُقُودِ ، الْعُهُودُ . 10893 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، يَعْنِي : بِالْعُهُودِ . 10894 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : الْعُهُودُ .
10895 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 10896 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 10897 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُحَدِّثُهُمْ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : هِيَ الْعُهُودُ .
10898 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : الْعُهُودُ . 10899 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : هِيَ الْعُهُودُ . 10900 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، بِالْعُهُودِ .
10901 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : بِالْعُهُودِ . 10902 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : هِيَ الْعُهُودُ . 10903 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : بِالْعُهُودِ .
10904 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ الْعُقُودُ جَمْعُ عَقْدٍ ، وَأَصْلُ الْعَقْدِ ، عَقْدُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ ، وَهُوَ وَصْلُهُ بِهِ ، كَمَا يَعْقِدُ الْحَبْلَ بِالْحَبْلِ ، إِذَا وُصِلَ بِهِ شَدًّا . يُقَالَ مِنْهُ : عَقَدَ فُلَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ عَقْدًا ، فَهُوَ يَعْقِدُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ : قَوْمٌ إِذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا وَذَلِكَ إِذَا وَاثَقَهُ عَلَى أَمْرٍ وَعَاهَدَهُ عَلَيْهِ عَهْدًا بِالْوَفَاءِ لَهُ بِمَا عَاقَدَهُ عَلَيْهِ ، مِنْ أَمَانٍ وَذِمَّةٍ ، أَوْ نُصْرَةٍ ، أَوْ نِكَاحٍ ، أَوْ بَيْعٍ ، أَوْ شَرِكَةٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ .
ذِكْرُ مِنْ قَالَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ قَالَهُ فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ . 10905 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، أَيْ : بِعَقْدِ الْجَاهِلِيَّةِ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : أَوْفُوا بِعَقْدِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَا تُحْدِثُوا عَقْدًا فِي الْإِسْلَامِ .
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ الْعِجْلِيِّ ، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّكَ تَسْأَلُ عَنْ حِلْفِ لَخْمٍ وَتَيْمِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : نَعِمْ ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَالَ : لَا يَزِيدُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً . 10906 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : عُقُودُ الْجَاهِلِيَّةِ : الْحِلْفُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ الْحَلِفُ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ ، فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10907 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، يَعْنِي : مَا أَحَلَّ وَمَا حَرَّمَ ، وَمَا فَرَضَ ، وَمَا حَدَّ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ ، فَلَا تَغْدُرُوا وَلَا تَنْكُثُوا . ثُمَّ شَدَّدَ ذَلِكَ فَقَالَ : وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إِلَى قَوْلِهِ : سُوءُ الدَّارِ [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 35 ] . 10908 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، مَا عَقَدَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مِمَّا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ ، وَيَعْقِدُهَا الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10909 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : الْعُقُودُ خَمْسٌ : عُقْدَةُ الْأَيْمَانِ ، وَعُقْدَةِ النِّكَاحِ ، وَعُقْدَةِ الْعَهْدِ ، وَعُقْدَةِ الْبَيْعِ ، وَعُقْدَةِ الْحِلْفِ . 10910 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَوْ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، نَحْوَهُ .
10911 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : عَقْدُ الْعَهْدِ ، وَعَقْدُ الْيَمِينِ وَعَقْدِ الْحِلْفِ ، وَعَقْدُ الشَّرِكَةِ ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ . قَالَ : هَذِهِ الْعُقُودُ ، خَمْسٌ . 10912 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَتَبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْحِمْصِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : الْعُقُودُ خَمْسٌ : عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، وَعُقْدَةُ الشَّرِكَةِ ، وَعَقْدُ الْيَمِينِ ، وَعُقْدَةُ الْعَهْدِ ، وَعُقْدَةُ الْحِلْفِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْكِتَابِ بِالْوَفَاءِ بِمَا أَخَذَ بِهِ مِيثَاقَهُمْ ، مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10913 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، قَالَ : الْعُهُودُ الَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ : أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا جَاءَهُمْ . 10914 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ : قَرَأَتُ كُتَّابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ عَلَى نَجْرَانَ فَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، فِيهِ : هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، فَكَتَبَ الْآيَاتِ مِنْهَا حَتَّى بَلَغَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ، مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : أَوْفُوا ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، بِعُقُودِ اللَّهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْكُمْ ، وَعَقَدَهَا فِيمَا أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، وَأَلْزَمَكُمْ فَرْضَهُ ، وَبَيَّنَ لَكُمْ حُدُودَهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ الْبَيَانَ عَمَّا أَحَلَّ لِعِبَادِهِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ ، وَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضِهِ . فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، أَمْرٌ مِنْهُ عِبَادَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ وَعُقُودِهِ عَقِيبَ ذَلِكَ ، وَنَهْيٌ مِنْهُ لَهُمْ عَنْ نَقْضِ مَا عَقَدَهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، أَمْرٌ مِنْهُ بِالْوَفَاءِ بِكُلِّ عَقْدٍ أَذِنَ فِيهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تَقُومَ حُجَّةٌ بِخُصُوصِ شَيْءٍ مِنْهُ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا .
فَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَمَا وَصَفْنَا ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِبَعْضِ الْعُقُودِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا دُونَ بَعْضٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَوْفُوا فَإِنَّ لِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : أَوْفُوا ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَوْفَيْتُ لِفُلَانٍ بِعَهْدِهِ ، أُوفِي لَهُ بِهِ . وَالْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِمْ : وَفَيْتُ لَهُ بِعَهْدِهِ أَفِي .
وَ الْإِيفَاءُ بِالْعَهْدِ ، إِتْمَامُهُ عَلَى مَا عُقِدَ عَلَيْهِ مِنْ شُرُوطِهِ الْجَائِزَةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ أَحَلَّهَا لَنَا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10915 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ، هِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ . 10916 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، قَالَ : الْأَنْعَامُ كُلُّهَا . 10917 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، قَالَ : الْأَنْعَامُ كُلُّهَا .
10918 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، قَالَ : الْأَنْعَامُ كُلُّهَا . 10920 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، هِيَ الْأَنْعَامُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، أَجِنَّةُ الْأَنْعَامِ الَّتِي تُوجَدُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا - إِذَا نُحِرَتْ أَوْ ذُبِحَتْ - مَيِّتَةً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10921 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ قَالَ : مَا فِي بُطُونِهَا . قَالَ قُلْتُ : إِنْ خَرَجَ مَيِّتًا آكُلُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 10922 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ قَالَ : نَعَمْ ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ رِئَتِهَا وَكَبِدِهَا .
10923 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْجَنِينُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، فَكُلُوهُ . 10924 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ ، عَنْ قَابُوسَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ بَقَرَةً نُحِرَتْ فَوُجِدَ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ ، فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِذَنَبِ الْجَنِينِ فَقَالَ : هَذَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَكُمْ . 10925 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : هُوَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .
10926 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ وَمُؤَمِّلٍ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ذَبَحْنَا بَقَرَةً ، فَإِذَا فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ ، فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : هَذِهِ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، الْأَنْعَامَ كُلَّهَا : أَجِنَّتَهَا وَسِخَالَهَا وَكِبَارَهَا . لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ تَسْمِيَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ بَهِيمَةً وَبَهَائِمَ ، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ .
فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَظَاهِرِهِ ، حَتَّى تَأْتِيَ حُجَّةٌ بِخُصُوصِهِ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . وَأَمَّا النَّعَمُ فَإِنَّهَا عِنْدَ الْعَرَبِ ، اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ ، [ سُورَةُ النَّحْلِ : 5 ] ، ثُمَّ قَالَ : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [ سُورَةُ النَّحْلِ : 8 ] ، فَفَصَلَ جِنْسَ النَّعَمِ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ . وَأَمَّا بَهَائِمُهَا ، فَإِنَّهَا أَوْلَادُهَا .
وَإِنَّمَا قُلْنَا يَلْزَمُ الْكِبَارَ مِنْهَا اسْمُ بَهِيمَةٍ ، كَمَا يَلْزَمُ الصِّغَارَ ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ، نَظِيرُ قَوْلِهِ : وَلَدُ الْأَنْعَامِ . فَلَمَّا كَانَ لَا يُسْقِطُ مَعْنَى الْوِلَادَةِ عَنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ اسْمُ الْبَهِيمَةِ بَعْدَ الْكِبَرِ . وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ، وَحْشِيُّهَا ، كَالظِّبَاءِ وَبَقْرِ الْوَحْشِ وَالْحُمُرِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ : أُحِلَّتْ لَكُمْ أَوْلَادُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، إِلَّا مَا بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ بِقَوْلِهِ : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ، الْآيَةَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 3 ] . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10927 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، إِلَّا الْمَيْتَةَ وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا .
10928 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، أَيْ : مِنَ الْمَيْتَةِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا ، وَقَدَّمَ فِيهَا . 10929 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، قَالَ : إِلَّا الْمَيْتَةَ وَمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ . 10930 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ .
10931 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، الْمَيْتَةُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ . 10932 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، هِيَ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، الْخِنْزِيرُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10933 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ قَالَ : الْخِنْزِيرُ . 10934 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، يَعْنِي : الْخِنْزِيرَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ : إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ اللَّهِ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ بِقَوْلِهِ : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، الْآيَةَ . لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَثْنَى مِمَّا أَبَاحَ لِعِبَادِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا . وَالذِي حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا ، مَا بَيَّنَهُ فِي قَوْلِهِ : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 3 ] .
وَإِنْ كَانَ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا ، فَلَيْسَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَيُسْتَثْنَى مِنْهَا . فَاسْتِثْنَاءُ مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِمَّا دَخَلَ فِي جُمْلَةِ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ ، أَشْبَهُ مِنَ اسْتِثْنَاءِ مَا حَرَّمَ مِمَّا لَمَّ يَدْخُلْ فِي جُمْلَةِ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلٍ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ فَذَلِكَ ، عَلَى قَوْلِهِمْ ، مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ . فَ غَيْرَ مَنْصُوبٌ عَلَى قَوْلِ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَى الْحَالِ مِمَّا فِي قَوْلِهِ : أَوْفُوا مِنْ ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ : أَوْفُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، بِعُقُودِ اللَّهِ الَّتِي عَقَدَهَا عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِهِ ، لَا مُحِلِّينَ الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الْوَحْشِيَّةِ مِنَ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ، غَيْرَ مُسْتَحِلِّي اصْطِيَادِهَا ، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ . فَ غَيْرَ ، عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ ، مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : لَكُمْ ، بِتَأْوِيلِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ ، أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ، لَا مُسْتَحِلِّي اصْطِيَادِهَا فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ كُلُّهَا إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا ، فَإِنَّهُ صَيْدٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
فَكَأَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، وَجَّهَ الْكَلَامَ إِلَى مَعْنَى : أُحِلْتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ كُلُّهَا إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، إِلَّا مَا يُبَيِّنُ لَكُمْ مِنْ وَحْشِيِّهَا ، غَيْرَ مُسْتَحِلِّي اصْطِيَادِهَا فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ . فَتَكُونُ غَيْرَ مَنْصُوبَةً ، عَلَى قَوْلِهِمْ ، عَلَى الْحَالِ مِنْ الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ : إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10935 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ ، فَحَدَّثَهُمْ فَقَالَ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ صَيْدًا غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، فَهُوَ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ .
يَعْنِي بَقَرَ الْوَحْشِ وَالظِّبَاءِ وَأَشْبَاهِهِ . 10936 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، قَالَ : الْأَنْعَامُ كُلُّهَا حِلٌّ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا ، فَإِنَّهُ صَيْدٌ ، فَلَا يَحُلُّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عَلَى مَا تَظَاهَرَ بِهِ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، مِنْ أَنَّهَا الْأَنْعَامُ وَأَجَنَّتُهَا وَسِخَالُهَا ، وَعَلَى دَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، فَقَدْ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَحْوَالِكُمْ ، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ تَحْرِيمُهُ مِنَ الْمَيْتَةِ مِنْهَا وَالدَّمِ ، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .
وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ : إِلَّا الصَّيْدَ ، لَقِيلَ : إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنَ الصَّيْدِ غَيْرِ مُحِلِّيهِ . وَفِي تَرْكِ اللَّهِ وَصْلِ قَوْلِهِ : إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ بِمَا ذَكَرْتُ ، وَإِظْهَارُ ذِكْرِ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ، أُوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، خَبَرٌ مُتَنَاهِيَةٌ قِصَّتُهُ ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ، مُنْفَصِلٌ مِنْهُ . وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، مَقْصُودًا بِهِ قَصْدَ الْوَحْشَ ، لَمْ يَكُنْ أَيْضًا لِإِعَادَةِ ذِكْرِ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَجْهٌ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ قَبْلُ ، وَلَقِيلَ : أُحِلْتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّيهِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
وَفِي إِظْهَارِهِ ذُكِرُ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ، أَبْيَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا أَظْهَرَتْ ذِكْرَ الشَّيْءِ بِاسْمِهِ وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ ؟ قِيلَ : ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهَا ضَرُورَةَ شِعْرٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْفَصِيحِ الْمُسْتَعْمَلِ مِنْ كَلَامِهِمْ . وَتَوْجِيهُ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَفْصَحِ مِنْ لُغَاتِ مَنْ نَزَلَ كَلَامُهُ بِلُغَتِهِ ، أُولَى مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ مِنْ صَرْفِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِعُقُودِ اللَّهِ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْكُمْ مِمَّا حَرَّمَ وَأَحَلَّ ، لَا مُحِلِّينَ الصَّيْدَ فِي حَرَمِكُمْ ، فَفِيمَا أَحَلَّ لَكُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الْمُذَكَّاةِ دُونَ مَيْتَتِهَا ، مُتَّسِعٌ لَكُمْ وَمُسْتَغْنًى عَنِ الصَّيْدِ فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ( 1 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ يَقْضِي فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ مِنْ تَحْلِيلِ مَا أَرَادَ تَحْلِيلَهُ ، وَتَحْرِيمِ مَا أَرَادَ تَحْرِيمَهُ ، وَإِيجَابِ مَا شَاءَ إِيجَابَهُ عَلَيْهِمْ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ فَأَوْفُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، لَهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْلِيلِ مَا أَحِلَّ لَكُمْ وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُقُودِهِ ، فَلَا تَنْكُثُوهَا وَلَا تَنْقُضُوهَا . كَمَا : - 10937 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا أَرَادَ فِي خَلْقِهِ ، وَبَيَّنَ لِعِبَادِهِ ، وَفَرَضَ فَرَائِضَهُ ، وَحَدَّ حُدُودَهُ ، وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ ، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ .