الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، وَعَدَ اللَّهُ أَيُّهَا النَّاسُ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ ، وَعَمِلُوا بِمَا وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَأَوْفَوْا بِالْعُقُودِ الَّتِي عَاقَدَهُمْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِمْ : لَنَسْمَعَنَّ وَلَنُطِيعَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَسَمِعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ وَأَطَاعُوهُ ، فَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَفَّوْا بِالْعُقُودِ وَالْمِيثَاقِ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مَغْفِرَةٌ وَهِيَ سَتْرُ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ ، وَتَغْطِيَتُهَا بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا ، وَتَرْكِهِ عُقُوبَتَهُمْ عَلَيْهَا ، وَفَضِيحَتَهُمْ بِهَا ، وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يَقُولُ : وَلَهُمْ مَعَ عَفْوِهِ لَهُمْ عَنْ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ مِنْهُمْ ، جَزَاءً عَلَى أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا وَوَفَائِهِمْ بِالْعُقُودِ الَّتِي عَاقَدُوا رَبَّهُمْ عَلَيْهَا أَجْرٌ عَظِيمٌ ، وَ الْعَظِيمُ مِنْ خَيْرِهِ غَيْرُ مَحْدُودٍ مَبْلَغُهُ ، وَلَا يَعْرِفُ مُنْتَهَاهُ غَيْرُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ وَعَدَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِمَا وَعَدَهُمْ ، فَأَيْنَ الْخَبَرُ عَنِ الْمَوْعُودِ؟ قِيلَ : بَلَى إِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنِ الْمَوْعُودِ ، وَالْمَوْعُودُ هُوَ قَوْلُهُ : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ .
فَإِنْ قَالَ : فَإِنَّ قَوْلَهُ : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمَوْعُودُ لَقِيلَ : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ لَهُمْ ، وَفِي دُخُولِ ذَلِكَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ ، وَانْقِضَاءِ الْخَبَرِ عَنِ الْوَعْدِ! قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ مَا ذَكَرْتَ ، فَإِنَّهُ مِمَّا اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَا بَطَنَ مِنْ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ بَعْضٍ قَدْ تَرَكَ ذِكْرَهُ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَيَأْجُرَهُمْ أَجْرًا عَظِيمًا لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ يُصْحِبُوا الْوَعْدَ أَنَّ وَيُعْمِلُوهُ فِيهَا ، فَتُرِكَتْ أَنَّ إِذْ كَانَ الْوَعْدُ قَوْلًا . وَمِنْ شَأْنِ الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ مِنْ جُمَلِ الْأَخْبَارِ مُبْتَدَأٌ ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ جُمْلَةَ الْخَبَرِ اجْتِزَاءً بِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ ، وَصَرْفًا لِلْوَعْدِ الْمُوَافِقِ لِلْقَوْلِ فِي مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لِلَفْظِهِ مُخَالِفًا إِلَى مَعْنَاهُ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ : لِلَّذِينِ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ ، إِنَّمَا قِيلَ : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ، فِي الْوَعْدِ الَّذِي وُعِدُوا فَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى تَأْوِيلِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾، [ فِيمَا وَعَدَهُمْ بِهِ ] .