الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ جَوَابِ قَوْمِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِذْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ : أَنَّهُمْ أَبَوْا عَلَيْهِ إِجَابَتَهُ إِلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَاعْتَلُّوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا ، إِنَّ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي تَأْمُرُنَا بِدُخُولِهَا ، قَوْمًا جَبَّارِينَ لَا طَاقَةَ لَنَا بِحَرْبِهِمْ ، وَلَا قُوَّةَ لَنَا بِهِمْ . وَسَمَّوْهُمْ جَبَّارِينَ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لِشِدَّةِ بَطْشِهِمْ وَعَظِيمِ خَلْقِهِمْ ، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا ، قَدْ قَهَرُوا سَائِرَ الْأُمَمِ غَيْرَهُمْ . وَأَصْلُ الْجَبَّارِ ، الْمُصْلِحُ أَمْرَ نَفْسِهِ وَأَمْرَ غَيْرِهِ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَنِ اجْتَرَّ نَفْعًا إِلَى نَفْسِهِ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ طَلَبَ الْإِصْلَاحِ لَهَا ، حَتَّى قِيلَ لِلْمُتَعَدِّي إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ بَغْيًا عَلَى النَّاسِ ، وَقَهْرًا لَهُمْ ، وَعُتُوًّا عَلَى رَبِّهِ جَبَّارٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ فَعَّالٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : جَبَرَ فَلَانٌ هَذَا الْكَسْرَ ، إِذَا أَصْلَحَهُ وَلَأَمَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجُبِرْ وَعَوَّرَ الرَّحْمَنُ مَنْ وَلَّى الْعَوَرْ يُرِيدُ : قَدْ أَصْلَحَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَصَلَحَ .
وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْجَبَّارُ ، لِأَنَّهُ الْمُصْلِحُ أَمْرَ عِبَادِهِ ، الْقَاهِرُ لَهُمْ بِقُدْرَتِهِ . وَمِمَّا ذَكَرْتُهُ مِنْ عِظَمِ خَلْقِهِمْ مَا : - 11656 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا مِنْ أَمْرِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَ : ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَا وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَسَارُوا ، حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ ، بَعَثَ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَسَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْجَبَّارِينَ ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ ، يُقَالُ لَهُ : عَاجٌ ، فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَتِهِ ، وَعَلَى رَأْسِهِ حَمْلَةُ حَطَبٍ ، وَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ : انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَاتِلُونَا!! فَطَرَحَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهَا ، فَقَالَ : أَلَا أَطْحَنُهُمْ بِرِجْلِي؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : لَا بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا! فَفَعَلَ ذَلِكَ . 11657 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ .
قَالَ : فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ وَهِيَ أَرِيحَاءُ فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا ، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنًا ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ . قَالَ : فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتِهِمْ وَجُثَثِهِمْ وَعِظَمِهِمْ ، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمَارَ مِنْ حَائِطِهِ ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَارَ وَيَنْظُرُ إِلَى آثَارِهِمْ ، وَتَتَبَّعَهُمْ . فَكُلَّمَا أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ ، وَذَهَبَ إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ الْمَلِكُ : قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْنَنَا وَأَمْرَنَا ، اذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ .
قَالَ : فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرُوهُ بِمَا عَايَنُوا مِنْ أَمْرِهِمْ . 11658 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ أَجْسَامٌ وخِلَقٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ . 11659 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِقَوْمِهِ : إِنِّي سَأَبْعَثُ رِجَالًا يَأْتُونَنِي بِخَبَرِهِمْ وَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، فَقَالَ : سِيرُوا إِلَيْهِمْ وَحَدِّثُونِي حَدِيثَهُمْ وَمَا أَمَرُهُمْ ، وَلَا تَخَافُوا ، إِنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِهِ ، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَإِنَّ الْقَوْمَ سَارُوا حَتَّى هَجَمُوا عَلَيْهِمْ ، فَرَأَوْا أَقْوَامًا لَهُمْ أَجْسَامٌ عَجَبٌ عِظَمًا وَقُوَّةً ، وَإِنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ أَبْصَرَهُمْ أَحَدُ الْجَبَّارِينَ ، وَهُمْ لَا يَأْلُونَ أَنْ يُخْفُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ رَأَوُا الْعَجَبَ .
فَأَخَذَ ذَلِكَ الْجَبَّارُ مِنْهُمْ رِجَالًا فَأَتَى رَئِيسَهُمْ ، فَأَلْقَاهُمْ قُدَّامَهُ ، فَعَجِبُوا وَضَحِكُوا مِنْهُمْ . فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : فَإِنَّ هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَرَادُوا غَزْوَكُمْ !! وَأَنَّهُ لَوْلَا مَا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَقُتِلُوا ، وَأَنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَحَدَّثُوهُ الْعَجَبَ . 11660 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ ، أَرْسَلَهُمْ مُوسَى إِلَى الْجَبَّارِينَ ، فَوَجَدُوهُمْ يَدْخُلُ فِي كُمِّ أَحَدِهِمُ اثْنَانِ مِنْهُمْ ، يُلْقُونَهُمْ إِلْقَاءً ، وَلَا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إِلَّا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ بَيْنَهُمْ فِي خَشَبَةٍ ، وَيَدْخُلُ فِي شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إِذَا نُزِعَ حَبُّهَا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ ، أَوْ أَرْبَعَةٌ .
11661 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، نَحْوَهُ . 11662 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ قَالَ : سَفَلَةٌ لَا خَلَاقَ لَهُمْ .