الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، الْكِتَابَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ فَ أَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ التَّنْزِيلِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ فِي كِتَابِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ، فَإِنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَّبِعَ أَهْوَاءَ الْيَهُودِ الَّذِينَ احْتَكَمُوا إِلَيْهِ فِي قَتِيلِهِمْ وَفَاجِرَيْهِمْ ، وَأَمْرٌ مِنْهُ لَهُ بِلُزُومِ الْعَمَلِ بِكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاحْذَرْ ، يَا مُحَمَّدُ ، هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ جَاءُوكَ مُحْتَكِمِينَ إِلَيْكَ أَنْ يَفْتِنُوكَ ، فَيَصُدُّوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ مِنْ حُكْمِ كِتَابِهِ ، فَيَحْمِلُوكَ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ وَاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ . وَقَوْلُهُ : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِنْ تَوَلَّى هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ الَّذِينَ اخْتَصَمُوا إِلَيْكَ عَنْكَ ، فَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا حَكَمْتَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَقَضَيْتَ فِيهِمْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ، يَقُولُ : فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَلَّوْا عَنِ الرِّضَى بِحُكْمِكَ وَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ ، إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَجَّلَ عُقُوبَتَهُمْ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِبَعْضِ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ، يَقُولُ : وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ لَفَاسِقُونَ ، يَقُولُ : لَتَارِكُو الْعَمَلِ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَلَخَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ إِلَى مَعْصِيَتِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12150 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ ، وَابْنُ صُورِيَا وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ ، لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ! فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ ، وَأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَنَا يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا ، وَأَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً ، فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ ، فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ ، وَنُؤْمِنُ لَكَ وَنُصَدِّقُكَ ! فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، إِلَى قَوْلِهِ : لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . 12151 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، قَالَ : أَنْ يَقُولُوا : فِي التَّوْرَاةِ كَذَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا لَكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ . وَقَرَأَ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 45 ] ، بَعْضُهَا بِبَعْضٍ .
12152 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : دَخَلَ الْمَجُوسُ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .