الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَلَمَّا وَارَاهُ اللَّيْلُ وَغَيَّبَهُ . يُقَالُ مِنْهُ : جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَ جَنَّهُ اللَّيْلُ وَ أَجَنَّهُ وَ أَجَنَّ عَلَيْهِ . وَإِذَا أَلْقَيْتَ عَلَى كَانَ الْكَلَامُ بِالْأَلِفِ أَفْصَحَ مِنْهُ بِغَيْرِ الْأَلِفِ أَجَنَّهُ اللَّيْلُ أَفْصَحُ مَنْ أَجَنَّ عَلَيْهِ وَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَفْصَحُ مَنْ جَنَّهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ .
جَنَّهُ اللَّيْلُ فِي أَسَدٍ وَأَجَنَّهُ وَجَنَّهُ فِي تَمِيمٍ . وَالْمَصْدَرُ مِنْ : جَنَّ عَلَيْهِ جَنًّا وَجُنُونًا وجَنَانًا وَمِنْ أَجَنَّ إِجْنَانًا . وَيُقَالُ : أَتَى فَلَانٌ فِي جِنِّ اللَّيْلِ .
وَ الْجِنُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمُ اسْتَجَنُّوا عَنْ أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ فُلَا يُرَوْنَ . وَكُلُّ مَا تَوَارَى عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيهِ : قَدْ جَنَّ وَمِنْهُ قَوْلُ الْهُذَلِيِّ : وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الْكَرَى وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الْأَدْهَمُ وَقَالَ عُبَيْدٌ : وَخَرْقٍ تَصِيحُ الْبُومُ فِيهِ مَعَ الصَّدَى مَخُوفٍ إِذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ مَرْهُوبِ وَمِنْهُ : أَجْنَنْتُ الْمَيِّتَ إِذَا وَارَيْتَهُ فِي اللَّحْدِ ، وَ جَنَّنْتُهُ وَهُوَ نَظِيرُ جُنُونِ اللَّيْلِ فِي مَعْنَى غَطَّيْتُهُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلتُّرْسِ مِجَنٌّ لِأَنَّهُ يُجَنُّ مَنِ اسْتَجَنَّ بِهِ فَيُغَطِّيهِ وَيُوَارِيهِ .
وَقَوْلُهُ : رَأَى كَوْكَبًا يَقُولُ : أَبْصَرَ كَوْكَبًا حِينَ طَلَعَ قَالَ هَذَا رَبِّي فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ ، مَا : - 13462 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ يَعْنِي بِهِ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ ، فَلَمَّا غَابَ قَالَ : لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّيَ فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ ، فَلَمَّا غَابَ قَالَ : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَعَبَدَهَا حَتَّى غَابَتْ ، فَلَمَّا غَابَتْ قَالَ : يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . 13463 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ . فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ رَأَى خَلْقًا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْخَلْقَيْنِ الْأَوَّلَيْنَ وَأَنْوَرُ .
وَكَانَ سَبَبُ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكَ ، مَا : - 13464 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا ذَكَرَ لَنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ آزَرَ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ كُوثَى ، مِنْ قَرْيَةٍ بِالسَّوَادِ ، سَوَادِ الْكُوفَةِ ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مَلِكُ الْمَشْرِقِ النُّمْرُودَ ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِبْرَاهِيمَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ، حُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ ] ، وَرَسُولًا إِلَى عِبَادِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ نَبِيٌّ إِلَّا هُودٌ وَصَالِحٌ ، فَلَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ مَا أَرَادَ ، أَتَى أَصْحَابُ النُّجُومِ نُمْرُودَ فَقَالُوا لَهُ : تَعَلَّمْ أَنَّا نَجِدُ فِي عِلْمِنَا أَنَّ غُلَامًا يُولَدُ فِي قَرْيَتِكَ هَذِهِ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ يُفَارِقُ دِينَكُمْ ، وَيَكْسِرُ أَوْثَانَكُمْ ، فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا وَكَذَا . فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ الَّتِي وَصَفَ أَصْحَابُ النُّجُومِ لِنُمْرُودَ ، بَعَثَ نُمْرُودُ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ حُبْلَى بِقَرْيَتِهِ فَحَبَسَهَا عِنْدَهُ - إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ امْرَأَةِ آزَرَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِحَبَلِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً حَدَثَةً ، فِيمَا يُذْكَرُ ، لَمْ تَعْرِفِ الْحَبَلَ فِي بَطْنِهَا ، وَلِمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ بِوَلَدِهَا - يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ كُلَّ غُلَامٍ وُلِدَ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ ، حَذَرًا عَلَى مُلْكِهِ . فَجَعَلَ لَا تَلِدُ امْرَأَةً غُلَامًا فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ ، إِلَّا أَمَرَ بِهِ فَذُبِحَ .
فَلَمَّا وَجَدَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ الطَّلْقَ خَرَجَتْ لَيْلًا إِلَى مَغَارَةٍ كَانَتْ قَرِيبًا مِنْهَا ، فَوَلَدَتْ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ ، وَأَصْلَحَتْ مِنْ شَأْنِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْلُودِ ، ثُمَّ سَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَغَارَةَ ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا ، ثُمَّ كَانَتْ تُطَالِعُهُ فِي الْمَغَارَةِ فَتَنْظُرُ مَا فَعَلَ ، فَتَجِدُهُ حَيًّا يَمُصُّ إِبْهَامَهُ ، يَزْعُمُونَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقَ إِبْرَاهِيمَ فِيهَا وَمَا يَجِيئُهُ مِنْ مَصِّهِ . وَكَانَ آزَرُ ، فِيمَا يَزْعُمُونَ ، سَأَلَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَمْلِهَا مَا فَعَلَ ، فَقَالَتْ : وَلَدَتْ غُلَامًا فَمَاتَ ! فَصَدَّقَهَا ، فَسَكَتَ عَنْهَا . وَكَانَ الْيَوْمُ ، فِيمَا يَذْكُرُونَ ، عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي الشَّبَابِ كَالشَّهْرِ ، وَالشَّهْرُ كَالسَّنَةِ .
فَلَمْ يَلْبَثْ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَغَارَةِ إِلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا حَتَّى قَالَ لِأُمِّهِ : أَخْرِجِينِي أَنْظُرُ ! فَأَخْرَجَتْهُ عِشَاءً فَنَظَرَ ، وَتَفَكَّرَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَقَالَ : إِنَّ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي لَرَبِّي ، مَا لِي إِلَهٌ غَيْرُهُ ! ثُمَّ نَظَرَ فِي السَّمَاءِ فَرَأَى كَوْكَبًا ، قَالَ : هَذَا رَبِّي ثُمَّ اتَّبَعَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِبَصَرِهِ حَتَّى غَابَ ، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ : لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ثُمَّ طَلَعَ الْقَمَرُ فَرَآهُ بَازِغًا ، قَالَ : هَذَا رَبِّي ثُمَّ اتَّبَعَهُ بِبَصَرِهِ حَتَّى غَابَ ، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ! فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّهَارُ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ ، أَعْظَمَ الشَّمْسَ ، وَرَأَى شَيْئًا هُوَ أَعْظَمُ نُورًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ! فَلَمَّا أَفْلَتَ قَالَ : قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِيهِ آزَرَ وَقَدِ اسْتَقَامَتْ وِجْهَتُهُ ، وَعَرَفَ رَبَّهُ ، وَبَرِئَ مِنْ دِينِ قَوْمِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبَادِئْهُمْ بِذَلِكَ . وَأَخْبَرَ أَنَّهُ ابْنُهُ ، وَأَخْبَرَتْهُ أَمُّ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ ابْنُهُ ، وَأَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَتْ صَنَعَتْ مِنْ شَأْنِهِ ، فَسُرَّ بِذَلِكَ آزَرُ وَفَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا .
وَكَانَ آزَرُ يَصْنَعُ أَصْنَامَ قَوْمِهِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا ، ثُمَّ يُعْطِيهَا إِبْرَاهِيمَ يَبِيعُهَا ، فَيَذْهَبُ بِهَا إِبْرَاهِيمُ ، فِيمَا يَذْكُرُونَ ، فَيَقُولُ : مَنْ يَشْتَرِي مَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ فَلَا يَشْتَرِيهَا مِنْهُ أَحَدٌ . فَإِذَا بَارَتْ عَلَيْهِ ، ذَهَبَ بِهَا إِلَى نَهْرٍ فَصَوَّبَ فِيهِ رُءُوسَهَا ، وَقَالَ : اشْرَبِي اسْتِهْزَاءً بِقَوْمِهِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ ، حَتَّى فَشَا عَيْبُهُ إِيَّاهَا وَاسْتِهْزَاؤُهُ بِهَا فِي قَوْمِهِ وَأَهْلِ قَرْيَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَلَغَ نُمْرُودَ الْمَلِكِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَنْكَرَ قَوْمٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الرِّوَايَةِ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ، مِنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِلْكَوْكَبِ أَوْ لِلْقَمَرِ : هَذَا رَبِّي وَقَالُوا : غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ نَبِيٌّ ابْتَعَثَهُ بِالرِّسَالَةِ ، أَتَى عَلَيْهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ بَالِغٌ إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ مُوَحِّدٌ ، وَبِهِ عَارِفٌ ، وَمِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ بَرِيءٌ .
قَالُوا : وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ بِهِ كَافِرٌ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّهُ بِالرِّسَالَةِ ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِيهِ إِلَّا وَفِي غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِثْلُهُ ، وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ مُنَاسَبَةٌ ، فَيُحَابِيهِ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْكَرَامَةِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا أَكْرَمَ مَنْ أَكْرَمَ مِنْهُمْ لِفَضْلِهِ فِي نَفْسِهِ ، فَأَثَابَهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ الثَّوَابَ بِمَا أَثَابَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ . وَزَعَمُوا أَنَّ خَبَرَ اللَّهِ عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْكَوْكَبَ أَوِ الْقَمَرَ أَوِ الشَّمْسَ : هَذَا رَبِّي لَمْ يَكُنْ لِجَهْلِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ رَبُّهُ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَبَّهُ ، وَعَلَى الْعَيْبِ لِقَوْمِهِ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ ، إِذْ كَانَ الْكَوْكَبُ وَالْقَمَرُ وَالشَّمْسُ أَضْوَأَ وَأَحْسَنَ وَأَبْهَجَ مِنَ الْأَصْنَامِ ، وَلَمْ تَكُنْ مَعَ ذَلِكَ مَعْبُودَةً ، وَكَانَتْ آفِلَةً زَائِلَةً غَيْرَ دَائِمَةٍ ، وَالْأَصْنَامُ الَّتِي [ هِيَ ] دُونَهَا فِي الْحُسْنِ وَأَصْغَرُ مِنْهَا فِي الْجِسْمِ ، أَحَقُّ أَنْ لَا تَكُونَ مَعْبُودَةً وَلَا آلِهَةً .
قَالُوا : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ ، مُعَارَضَةً ، كَمَا يَقُولُ أَحَدُ الْمُتَنَاظِرَيْنِ لِصَاحِبِهِ مُعَارِضًا لَهُ فِي قَوْلٍ بَاطِلٍ قَالَ بِهِ بِبَاطِلٍ مِنَ الْقَوْلِ ، عَلَى وَجْهِ مُطَالَبَتِهِ إِيَّاهُ بِالْفُرْقَانِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ عِنْدَهُ ، اللَّذَيْنِ يُصَحِّحُ خَصْمُهُ أَحَدَهُمَا وَيَدَّعِي فَسَادَ الْآخَرِ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ طُفُولَتِهِ ، وَقَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَكُونُ فِيهَا كُفْرٌ وَلَا إِيمَانٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : إِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : أَهَذَا رَبِّي ؟ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ ، أَيْ : لَيْسَ هَذَا رَبِّي . وَقَالُوا : قَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَتَحْذِفُ الْأَلِفَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ . وَزَعَمُوا أَنَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَ الشَّاعِرِ : رَفَوْنِي وَقَالُوا : يَا خُوَيْلِدُ ، لَا تُرَعْ ! فَقُلْتُ ، وأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ : هُمُ هُمُ ؟ يَعْنِي : أَهُمْ هُمْ ؟ قَالُوا : وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَوْسٍ : لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي ، وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ، شُعَيْثَ بنَ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثَ بْنَ مِنْقَرِ بِمَعْنَى : أَشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ ؟ فَحَذَفَ الْأَلِفَ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا تَذْكِيرُ هَذَا فِي قَوْلِهِ : فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى : هَذَا الشَّيْءُ الطَّالِعُ رَبِّيَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَفَلَ الْقَمَرُ : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ الدَّلِيلُ عَلَى خَطَأِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، الْإِقْرَارُ بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا عَدَاهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَمَّا أَفَلَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَلَمَّا غَابَ وَذَهَبَ ، كَمَا : - 13465 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : الْأُفُولُ الذَّهَابُ .
يُقَالُ مِنْهُ : أَفَلَ النَّجْمُ يَأْفُلُ وَيَأْفِلُ أُفُولًا وَأَفْلًا إِذَا غَابَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ : مَصَابِيحُ لَيْسَتْ بِالَّلَوَاتِي تَقُودُهَا نُجُومٌ ، وَلَا بالْآفِلَاتِ الدَّوَالِكِ وَيُقَالُ : أَيْنَ أَفَلْتَ عَنَّا بِمَعْنَى : أَيْنَ غِبْتَ عَنَّا ؟