حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ، أَيْ : إِنَّمَا أَرْسَلْنَا الرُّسُلَ ، يَا مُحَمَّدُ ، إِلَى مَنْ وَصَفْتُ أَمْرَهُ ، وَأَعْلَمْتُكَ خَبَرَهُ مِنْ مُشْرِكِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، يَقُصُّونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَهُمْ لِقَاءَ مَعَادِهِمْ إِلَيَّ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَبَّكَ لَمْ يَكُنْ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ . وَقَدْ يَتَّجِهُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : بِظُلْمٍ ، وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ، أَيْ : بَشِرْكِ مَنْ أَشْرَكَ ، وَكُفْرِ مَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِهَا ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ، [ سُورَةُ لُقْمَانَ : 13 ] ( وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) ، يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رُسُلًا تُنَبِّهُهُمْ عَلَى حُجَجِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَتُنْذِرُهُمْ عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ مَعَادِهِمْ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِالَّذِي يَأْخُذُهُمْ غَفْلَةً فَيَقُولُوا : مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ . وَالْآخَرُ : ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ، يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ دُونَ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ بِالرُّسُلِ وَالْآيَاتِ وَالْعِبَرِ ، فَيَظْلِمَهُمْ بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ غَيْرُ ظَلَّامٍ لِعَبِيدِهِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي ، الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : أَنْ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ بِشِرْكِهِمْ ، دُونَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ ، وَالْإِعْذَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ . وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ، عُقَيْبَ قَوْلِهِ : أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ نَصَّ قَوْلِهِ : ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ، إِنَّمَا هُوَ : إِنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّا لَا نُهْلِكُ الْقُرَى بِغَيْرِ تَذْكِيرٍ وَتَنْبِيهٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( ذَلِكَ ) ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا ، بِمَعْنَى : فَعَلْنَا ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا ، بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : ذَلِكَ كَذَلِكَ .

وَأَمَّا أَنْ ، فَإِنَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، بِمَعْنَى : فَعَلْنَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى فَإِذَا حُذِفَ مَا كَانَ يَخْفِضُهَا ، تَعَلَّقَ بِهَا الْفِعْلُ فَنُصِبَ .

موقع حَـدِيث