الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَذَا الَّذِي وَصَّاكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، وَأَمَرَكُمْ بِالْوَفَاءِ بِهِ ، هُوَ صِرَاطُهُ يَعْنِي طَرِيقَهُ وَدِينَهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ ( مُسْتَقِيمًا ) ، يَعْنِي قَوِيمًا لَا اعْوِجَاجَ بِهِ عَنِ الْحَقِّ ( فَاتَّبِعُوهُ ) ، يَقُولُ : فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَاجْعَلُوهُ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْهَاجًا تَسْلُكُونَهُ ، فَاتَّبِعُوهُ ( وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ) ، يَقُولُ : وَلَا تَسْلُكُوا طَرِيقًا سِوَاهُ ، وَلَا تَرْكَبُوا مَنْهَجًا غَيْرَهُ ، وَلَا تَبْغُوا دِينًا خِلَافَهُ ، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمِلَلِ ، فَإِنَّهَا بِدَعٌ وَضَلَالَاتٌ ( فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) ، يَقُولُ : فَيُشَتِّتَ بِكُمْ - إِنِ اتَّبَعْتُمُ السُّبُلَ الْمُحْدَثَةَ الَّتِي لَيْسَتْ لِلَّهِ بِسُبُلٍ وَلَا طُرُقٍ وَلَا أَدْيَانٍ - اتِّبَاعُكُمْ إِيَّاهَا عَنْ سَبِيلِهِ ، يَعْنِي : عَنْ طَرِيقِهِ وَدِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكُمْ وَارْتَضَاهُ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي وَصَّى بِهِ الْأَنْبِيَاءَ ، وَأَمَرَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ ( ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ) ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَذَا الَّذِي وَصَّاكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ مِنْ قَوْلِهِ لَكُمْ : أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ، وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، يَقُولُ : لِتَتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ فَلَا تُهْلِكُوهَا ، وَتَحْذَرُوا رَبَّكُمْ فِيهَا فَلَا تُسْخِطُوهُ عَلَيْهَا ، فَيَحِلَّ بِكُمْ نِقْمَتُهُ وَعَذَابُهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14163 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، قَالَ : الْبِدَعَ وَالشُّبَهَاتِ .
14164 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ شِبْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 14165 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ) ، الْبِدَعَ وَالشُّبَهَاتِ . 14166 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَقَوْلُهُ : وَأَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ سُورَةُ الشُّورَى : 13 ] ، وَنَحْوُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ .
قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَاتِ فِي دِينِ اللَّهِ . 14167 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، يَقُولُ : لَا تَتْبَعُوا الضَّلَالَاتِ . 14168 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا فَقَالَ : هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ .
ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الْخَطِّ وَعَنْ شِمَالِهِ خُطُوطًا فَقَالَ : هَذِهِ سُبُلٌ ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهَا . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . 14169 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، قَالَ : سَبِيلُهُ ، الْإِسْلَامُ ، وَ صِرَاطُهُ ، الْإِسْلَامُ .
نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا السُّبُلَ سِوَاهُ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، عَنِ الْإِسْلَامِ . 14170 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبَانٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ : مَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ؟ قَالَ : تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدْنَاهُ ، وَطَرَفُهُ فِي الْجَنَّةِ ، وَعَنْ يَمِينِهِ جَوَادُّ ، وَعَنْ يَسَارِهِ جَوَادُّ ، وَثَمَّ رِجَالٌ يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ . فَمَنْ أُخِذَ فِي تِلْكَ الْجَوَادِّ انْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّارِ ، وَمَنْ أُخِذَ عَلَى الصِّرَاطِ انْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ .
ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ، الْآيَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ) . فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : ( وَأَنَّ ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّ ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ : أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، بِمَعْنَى : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : وَإِنَّ بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ إِنَّ ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْهَا ، عَلَى الِابْتِدَاءِ وَانْقِطَاعِهَا عَنِ الْأَوَّلِ ؛ إِذْ كَانَ الْكَلَامُ قَدِ انْتَهَى بِالْخَبَرِ عَنِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي أَوْصَى اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ دُونَهُ ، عِنْدَهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ وَعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ ، صَحِيحٌ مَعْنَيَاهُمَا ، فَبِأَيِ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ الْحَقَّ فِي قِرَاءَتِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ سَبِيلِهِ ، كَمَا أَمَرَ عِبَادَهُ الْأَنْبِيَاءَ .
وَإِنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ مُدْخِلٌ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ : تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، وَمَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، فَفَتَحَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ، فَمُصِيبٌ وَإِنْ كَسَرَهَا ، إِذْ كَانَتِ التِّلَاوَةُ قَوْلًا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْقَوْلِ لِبُعْدِهَا مِنْ قَوْلِهِ : أَتْلُ ، وَهُوَ يُرِيدُ إِعْمَالَ ذَلِكَ فِيهِ ، فَمُصِيبٌ وَإِنْ كَسَرَهَا بِمَعْنَى ابْتِدَاءٍ وَانْقِطَاعٍ عَنِ الْأَوَّلِ وَ التِّلَاوَةِ ، وَأَنَّ مَا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلَاوَتِهِ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِتِلَاوَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَدِ انْتَهَى دُونَ ذَلِكَ ، فَمُصِيبٌ . وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْبَصَرِيُّ : وَأَنْ بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنْ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مِنْهَا ، بِمَعْنَى : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي ، فَخَفَّفَهَا ؛ إِذْ كَانَتْ أَنْ فِي قَوْلِهِ : ( أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) ، مُخَفَّفَةً ، وَكَانَتْ أَنْ فِي قَوْلِهِ ( وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي ) ، مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا ، فَجَعَلَهَا نَظِيرَةَ مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا ، فَلَا أُحِبُّ الْقِرَاءَةَ بِهِ ، لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَةِ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ ، وَخِلَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي أَمْصَارِهِمْ .