الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبَرًا عَنْ قِيلِ صَالِحٍ لِقَوْمِهِ ، وَاعِظًا لَهُمْ : وَاذْكُرُوا ، أَيُّهَا الْقَوْمُ ، نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ ، يَقُولُ : تَخْلُفُونَ عَادًا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ هَلَاكِهَا . وَ خُلَفَاءُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ . وَإِنَّمَا جُمِعَ خَلِيفَةٌ خُلَفَاءَ ، وَ فُعَلَاءُ إِنَّمَا هِيَ جَمْعُ فَعِيلٍ ، كَمَا الشُّرَكَاءُ جَمْعُ شَرِيكٍ ، وَ الْعُلَمَاءُ جَمْعُ عَلِيمٍ ، وَ الْحُلَمَاءُ جَمْعُ حَلِيمٍ ، لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْخَلِيفَةِ إِلَى الرَّجُلِ ، فَكَأَنَّ وَاحِدَهُمْ خَلِيفٌ ، ثُمَّ جُمِعَ خُلَفَاءُ ، فَأَمَّا لَوْ جَمَعْتَ الْخَلِيفَةَ عَلَى أَنَّهَا نَظِيرَةُ كَرِيمَةٍ وَ حَلِيلَةٍ وَ رَغِيبَةٍ ، قِيلَ خَلَائِفُ ، كَمَا يُقَالُ : كَرَائِمُ وَ حَلَائِلُ وَ رَغَائِبُ ، إِذْ كَانَتْ مِنْ صِفَاتِ الْإِنَاثِ .
وَإِنَّمَا جُمِعَتِ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ جَاءَ بِهِمَا الْقُرْآنُ ، لِأَنَّهَا جُمِعَتْ مَرَّةً عَلَى لَفْظِهَا ، وَمَرَّةً عَلَى مَعْنَاهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَأَنْزَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ ، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا مَسَاكِنَ وَأَزْوَاجًا ، تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ، ذُكِرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْقُبُونَ الصَّخْرَ مَسَاكِنَ ، كَمَا : - 14823 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ، كَانُوا يَنْقُبُونَ فِي الْجِبَالِ الْبُيُوتَ . وَقَوْلُهُ : فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ، يَقُولُ : فَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا : - 14824 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ، يَقُولُ : لَا تَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .