الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِهَا . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي ذَكَرْتُ لَكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، أَمْرَهَا وَأَمْرَ أَهْلِهَا يَعْنِي : قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمَ لُوطٍ وَشُعَيْبٍ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا فَنُخْبِرُكَ عَنْهَا وَعَنْ أَخْبَارِ أَهْلِهَا ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ رُسُلِ اللَّهِ الَّتِي أَرْسَلَتُ إِلَيْهِمْ ، لِتَعْلَمَ أَنَا نَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى أَعْدَائِنَا وَأَهْلِ الْكُفْرِ بِنَا ، وَيَعْلَمَ مُكَذِّبُوكَ مَنْ قَوْمِكَ مَا عَاقِبَةُ أَمْرِ مَنْ كَذَّبَ رُسُلَ اللَّهِ ، فَيَرْتَدِعُوا عَنْ تَكْذِيبِكَ ، وَيُنِيبُوا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ، يَقُولُ : وَلَقَدْ جَاءَتْ أَهْلَ الْقُرَى الَّتِي قَصَصْتُ عَلَيْكَ نَبَأَهَا ، رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ، يَعْنِي بِالْحُجَجِ الْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ . [ ثُمَّ ] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : فَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ إِرْسَالِنَا إِلَيْهِمْ بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ يَوْمَ أَخْذِ مِيثَاقِهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 14901 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ قَالَ : ذَلِكَ يَوْمَ أَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ فَآمَنُوا كُرْهًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ ، بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ بِهِ يَوْمَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14902 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ : قَالَ : كَانَ فِي عِلْمِهِ يَوْمَ أَقَرُّوا لَهُ بِالْمِيثَاقِ . 14903 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ ، يَحِقُّ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ الْعِلْمِ مَا أَبْدَى لَهُمْ رَبُّهُمْ وَالْأَنْبِيَاءُ ، وَيَدَعُوا عِلْمَ مَا أَخْفَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ عِلْمَهُ نَافِذٌ فِيمَا كَانَ وَفِيمَا يَكُونُ ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ : وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ، قَالَ : نَفَذَ عِلْمُهُ فِيهِمْ ، أَيُّهُمُ الْمُطِيعُ مِنَ الْعَاصِي حَيْثُ خَلَقَهُمْ فِي زَمَانِ آدَمَ . وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ لِنُوحٍ : اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [ هُودٍ : 48 ] ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، [ الْأَنْعَامِ : 28 ] ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا [ الْإِسْرَاءِ : 15 ] ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ : لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النِّسَاءِ : 165 ] ، وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا كَانُوا لَوْ أَحْيَيْنَاهُمْ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ وَمُعَايَنَتِهِمْ مَا عَايَنُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ هَلَاكِهِمْ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14904 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ، قَالَ : كَقَوْلِهِ : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَشْبَهُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَالرَّبِيعِ .
وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ، فَلَنْ يُؤْمِنَ أَبَدًا ، وَقَدْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمَنْ هَلَكَ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي قَصَّ نَبَأَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَبَدًا ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا هُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ ، قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ وَعِنْدَ مَجِيئِهِمْ إِلَيْهِمْ . وَلَوْ قِيلَ تَأْوِيلُهُ : فَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَرِثُوا الْأَرْضَ ، يَا مُحَمَّدُ ، مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا ، الَّذِينَ كَانُوا بِهَا مِنْ عَادٍ وَثَمُودَ ، لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبَ بِهِ الَّذِينَ وَرِثُوهَا عَنْهُمْ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ كَانَ وَجْهًا وَمَذْهَبًا ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْلَمُ قَائِلًا قَالَهُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى عِلْمِهِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ . وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : لَوْ رُدُّوا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا فَتَأْوِيلٌ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، وَلَا مِنْ خَبَرٍ عَنِ الرَّسُولِ صَحِيحٍ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَوْلَى مِنْهُ بِالصَّوَابِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ دَلِيلٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَمَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ ، يَا مُحَمَّدُ ، فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، حَتَّى جَاءَهُمْ بَأْسُ اللَّهِ فَهَلَكُوا بِهِ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ، الَّذِينَ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَبَدًا مِنْ قَوْمِكَ .