الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ . وَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ : مِنْ بَعْدِهِمْ ، هِيَ كِنَايَةُ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ الَّتِي ذُكِرَتْ مَنْ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ . بِآيَاتِنَا يَقُولُ : بِحُجَجِنَا وَأَدِلَّتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ، يَعْنِي : إِلَى جَمَاعَةِ فِرْعَوْنَ مِنَ الرِّجَالِ فَظَلَمُوا بِهَا ، يَقُولُ : فَكَفَرُوا بِهَا .
وَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ : بِهَا عَائِدَتَانِ عَلَى الْآيَاتِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : فَظَلَمُوا بِآيَاتِنَا الَّتِي بَعَثْنَا بِهَا مُوسَى إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ : فَظَلَمُوا بِهَا بِمَعْنَى : كَفَرُوا بِهَا ، لِأَنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . وَقَدْ دَلَّلْتُ فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَالْكَفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَضْعٌ لَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَصَرْفٌ لَهَا إِلَى غَيْرِ وَجْهِهَا الَّذِي عُنِيَتْ بِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ ، بِعَيْنِ قَلْبِكَ ، كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ؟ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ ، إِذْ ظَلَمُوا بِآيَاتِ اللَّهِ الَّتِي جَاءَهُمْ بِهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَ عَاقِبَتَهُمْ أَنَّهُمْ أُغْرِقُوا جَمِيعًا فِي الْبَحْرِ .