الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَتْ جَمَاعَةُ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ لِفِرْعَوْنَ أَتَدَعُ مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ، يَقُولُ : كَيْ يُفْسِدُوا خَدَمَكَ وَعَبِيدَكَ عَلَيْكَ فِي أَرْضِكَ مِنْ مِصْرَ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ، يَقُولُ : وَيَذَرَكَ ، وَيَدَعُ خِدْمَتَكَ مُوسَى وَعِبَادَتَكَ وَعِبَادَةَ آلِهَتِكَ . وَفِي قَوْلِهِ : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ، وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ . أَحَدُهُمَا : أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ، وَقَدْ تَرَكَكَ وَتَرَكَ عِبَادَتَكَ وَعِبَادَةَ آلِهَتِكَ .
وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ ، كَانَ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ : ( وَيَذَرَكَ ) ، عَلَى الصَّرْفِ ، لَا عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ : لِيُفْسِدُوا . وَالثَّانِي : أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ، وَلِيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ كَالتَّوْبِيخِ مِنْهُمْ لِفِرْعَوْنَ عَلَى تَرْكِ مُوسَى لِيَفْعَلَ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ . وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ ، كَانَ نَصْبُ : ( وَيَذَرَكَ ) عَلَى الْعَطْفِ عَلَى ( لِيُفْسِدُوا ) .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ بِالصَّوَابِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَصْبُ ( وَيَذَرَكَ ) عَلَى الصَّرْفِ ، لِأَنَّ التَّأْوِيلَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِهِ جَاءَ . وَبَعْدُ ، فَإِنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الَّذِي : - 14961 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ هَارُونَ قَالَ ، فِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : ( وَقَدْ تَرَكُوكَ أَنْ يَعْبُدُوكَ وَآلِهَتَكَ ) . دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ نَصْبَ ذَلِكَ عَلَى الصَّرْفِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : وَيَذَرُكَ وَآلِهَتَكَ ، عَطْفًا بِقَوْلِهِ : ( وَيَذَرُكَ ) عَلَى قَوْلِهِ : أَتَذَرُ مُوسَى . كَأَنَّهُ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى : أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَيَذَرُكَ وَآلِهَتَكَ ، لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ . وَقَدْ تَحْتَمِلُ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا : أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ يَذَرُكَ وَآلِهَتَكَ؟ فَيَكُونُ يَذَرُكَ مَرْفُوعًا بِابْتِدَاءِ الْكَلَامِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الْحَوَادِثِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَآلِهَتَكَ ) ، فَإِنَّ قَرَأَةَ الْأَمْصَارِ عَلَى فَتْحِ الْأَلْفِ مِنْهَا وَمَدِّهَا ، بِمَعْنَى : وَقَدْ تَرَكَ مُوسَى عِبَادَتَكَ وَعِبَادَةَ آلِهَتِكَ الَّتِي تَعْبُدُهَا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ لَهُ بَقَرَةً يَعْبُدُهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِهَا : ( وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ ) بِكَسْرِ الْأَلِفِ بِمَعْنَى : وَيَذَرَكَ وَعُبُودَتَكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَرَى الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا ، هِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ عَلَيْهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ آلِهَةً عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ . 14962 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ، وَآلِهَتَهُ فِيمَا زَعَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، كَانَتِ الْبَقَرُ ، كَانُوا إِذَا رَأَوْا بَقَرَةً حَسْنَاءَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهَا ، فَلِذَلِكَ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا وَبَقَرَةً .
14963 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ لِفِرْعَوْنَ جُمَانَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي نَحْرِهِ ، يَعْبُدُهَا وَيَسْجُدُ لَهَا . 14964 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ ، سَمِعَتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : بَلَغَنِي أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَعْبُدُ إِلَهًا فِي السِّرِّ ، وَقَرَأَ : وَيَذَرُكَ وَآلِهَتَكَ . 14965 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ لِفِرْعَوْنَ إِلَهٌ يَعْبُدُهُ فِي السِّرِّ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَذَرُكَ وَعِبَادَتَكَ ، عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : ( وَإَلَاهَتَكَ ) . 14966 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ ) قَالَ : إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ . 14967 - .
قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ ، ( وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ ) قَالَ : وَعِبَادَتُكَ ، وَيَقُولُ : إِنَّهُ كَانَ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ . 14968 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ ) ، قَالَ : يَتْرُكُ عِبَادَتَكَ . 14969 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( وَإِلَاهَتَكَ ) ، يَقُولُ : وَعِبَادَتُكَ .
14970 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ ) ، قَالَ : عِبَادَتُكَ . 14971 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ ) ، وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ : أَنَّ مَنْ قَرَأَ : وَإِلَاهَتَكَ ، إِنَّمَا يَقْصِدُ إِلَى نَحْوِ مَعْنَى قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ : ( وَآلِهَتَكَ ) ، غَيْرَ أَنَّهُ أَنَّثَ وَهُوَ يُرِيدُ إِلَهًا وَاحِدًا ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ : وَيَذَرُكَ وَإِلَاهَكَ ثُمَّ أَنَّثَ الْإِلَهَ فَقَالَ : وَإِلَاهَتَكَ .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سُئِلَ عَنِ الْإِلَاهَةِ فَقَالَ : هِيَ عَلَمَةٌ يُرِيدُ عَلَمًا ، فَأَنَّثَ الْعَلَمَ ، فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ نُصِبَ لِلْعِبَادَةِ يُعْبَدُ . وَقَدْ قَالَتْ بِنْتُ عُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْيَرْبُوعِيِّ : تَرَوَّحْنَا مِنَ اللَّعْبَاءِ قَصْرًا وَأَعْجَلْنَا الْإِلَاهَةَ أَنْ تَئُوبَا يَعْنِي بِ الْإِلَاهَةِ ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الشَّمْسَ . وَكَأَنَّ هَذَا الْمُتَأَوِّلَ هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَجَّهَ الْإِلَاهَةَ ، إِذَا أُدْخِلَتْ فِيهَا هَاءُ التَّأْنِيثِ ، وَهُوَ يُرِيدُ وَاحِدُ الْآلِهَةِ ، إِلَى نَحْوِ إِدْخَالِهِمُ الْهَاءَ فِي وِلْدَتِي وَ كَوْكَبَتِي وَ مَاءَتِي ، وَهُوَ أَهِلَّةُ ذَاكَ ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : يَا مُضَرُ الْحَمْرَاءُ أَنْتِ أُسْرَتِي وَأَنْتِ مَلْجَاتِي وَأَنْتِ ظَهْرَتِي يُرِيدُ : ظَهْرِي .
وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ مَا أَرَادَا مِنَ الْمَعْنَى فِي قِرَاءَتِهِمَا ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَأَا ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ مَا قَالَ ، مَعَ بَيَانِهِمَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ مِنْ مَعْنَى ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ، يَقُولُ : قَالَ فِرْعَوْنُ : سَنَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمُ الذُّكُورَ مِنْ أَوْلَادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ، يَقُولُ : وَنَسْتَبْقِي إِنَاثَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ، يَقُولُ : وَإِنَّا عَالُونَ عَلَيْهِمْ بِالْقَهْرِ ، يَعْنِي بِقَهْرِ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَالٍ بِقَهْرٍ وَغَلَبَةٍ عَلَى شَيْءٍ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : هُوَ فَوْقَهُ .