الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ خَلْفٌ يَعْنِي : خَلْفَ سُوءٍ . يَقُولُ : حَدَثَ بَعْدَهُمْ وَخِلَافَهُمْ ، وَتَبَدَّلَ مِنْهُمْ ، بَدَلُ سَوْءٍ . يُقَالُ مِنْهُ : هُوَ خَلَفُ صِدْقٍ ، وَخَلْفُ سَوْءٍ ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ فِي الْمَدْحِ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَفِي الذَّمِّ بِتَسْكِينِهَا ، وَقَدْ تُحَرَّكُ فِي الذَّمِّ ، وَتُسَكَّنُ فِي الْمَدْحِ ، وَمِنْ ذَلِكَ فِي تَسْكِينِهَا فِي الْمَدْحِ قَوْلُ حَسَّانَ : لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إِلَيْكَ ، وَخَلْفُنَا لِأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ وَأَحْسَبُ أَنَّهُ إِذَا وُجِّهَ إِلَى الْفَسَادِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : خَلَفَ اللَّبَنُ ، إِذَا حَمُضَ مِنْ طُولِ تَرْكِهِ فِي السِّقَاءِ حَتَّى يَفْسَدَ ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ الْفَاسِدَ مُشَبَّهٌ بِهِ .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ قَوْلُهُمْ خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ ، إِذَا تَغَيَّرَتْ رِيحُهُ . وَأَمَّا فِي تَسْكِينِ اللَّامِ فِي الذَّمِّ ، فَقَوْلُ لَبِيَدٍ : ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ وَقِيلَ : إِنَّ الْخَلَفَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ خَلَفُوا مَنْ قَبْلَهُمْ ، هُمُ النَّصَارَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15313 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ، قَالَ : النَّصَارَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، إِنَّمَا وَصَفَ أَنَّهُ خَلَفَ الْقَوْمَ الَّذِينَ قَصَّ قَصَصَهُمْ فِي الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ ، خَلْفَ سُوءٍ رَدِيءٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا أَنَّهُمْ نَصَارَى فِي كِتَابِهِ ، وَقِصَّتُهُمْ بِقِصَصِ الْيَهُودِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِقِصَصِ النَّصَارَى . وَبَعْدُ ، فَإِنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ ، فَمَا بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُمْ أَشْبَهُ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى صَرْفِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَلَا جَاءَ بِذَلِكَ دَلِيلٌ يُوجِبُ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِهِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : فَتَبَدَّلَ مِنْ بَعْدِهِمْ بَدَلُ سُوءٍ ، وَرِثُوا كِتَابَ اللَّهِ فَعُلِّمُوهُ ، وَضَيَّعُوا الْعَمَلَ بِهِ ، فَخَالَفُوا حُكْمَهُ ، يُرْشُونَ فِي حُكْمِ اللَّهِ ، فَيَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ فِيهِ مِنْ عَرَضِ هَذَا الْعَاجِلِ الْأَدْنَى ، يَعْنِي بِ الْأَدْنَى : الْأَقْرَبُ مِنَ الْآجِلِ الْأَبْعَدِ .
وَيَقُولُونَ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ سَيَغْفِرُ لَنَا ذُنُوبَنَا ، تَمَنِّيًا عَلَى اللَّهِ الْأَبَاطِيلَ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ ، [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 79 ] وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ، يَقُولُ : وَإِنْ شَرَعَ لَهُمْ ذَنْبٌ حَرَامٌ مِثْلُهُ مِنَ الرَّشْوَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، أَخَذُوهُ وَاسْتَحَلُّوهُ وَلَمْ يَرْتَدِعُوا عَنْهُ . يُخْبِرُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَهِلُ إِصْرَارٍ عَلَى ذُنُوبِهِمْ ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ إِنَابَةٍ وَلَا تَوْبَةٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ عِبَارَاتُهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15314 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ، قَالَ : يَعْمَلُونَ الذَّنْبَ ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ ، فَإِنْ عَرَضَ ذَلِكَ الذَّنْبُ أَخَذُوهُ . 15315 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ، قَالَ : مِنَ الذُّنُوبِ . 153116 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ، قَالَ : يَعْمَلُونَ بِالذُّنُوبِ وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ، : قَالَ : ذَنْبٌ آخَرَ ، يَعْمَلُونَ بِهِ .
15317 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى ، قَالَ : الذُّنُوبُ وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ، قَالَ : الذُّنُوبُ . 15318 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى قَالَ : مَا أَشْرَفَ لَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فِي الْيَوْمِ مِنَ الدُّنْيَا حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ يَشْتَهُونَهُ أَخَذُوهُ ، وَيَبْتَغُونَ الْمَغْفِرَةَ ، فَإِنْ يَجِدُوا الْغَدَ مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ . 15319 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَتَمَنَّوْنَ الْمَغْفِرَةَ .
15320 - حَدَّثَنَا الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى ، قَالَ : لَا يُشْرِفُ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا أَخَذُوهُ ، حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا ، وَيَتَمَنَّوْنَ الْمَغْفِرَةَ ، وَيَقُولُونَ : سَيُغْفَرُ لَنَا ، وَإِنْ يَجِدُوا عَرَضًا مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ . 15321 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ، إِي وَاللَّهِ ، لَخَلْفُ سَوْءٍ وَرِثُوا الْكِتَابَ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ وَرُسُلِهِمْ ، وَرَّثَهُمُ اللَّهُ وَعَهِدَ إِلَيْهِمْ ، وَقَالَ اللَّهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ، [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 59 ] ، قَالَ : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ، تَمَنَّوْا عَلَى اللَّهِ أَمَانِيَّ ، وَغِرَّةً يَغْتَرُّونَ بِهَا . وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ ، لَا يَشْغَلُهُمْ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ وَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، كُلَّمَا أَشْرَفَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا أَكَلُوهُ ، لَا يُبَالُونَ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا .
15322 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى ، قَالَ : يَأْخُذُونَهُ إِنْ كَانَ حَلَالًا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ ، قَالَ : إِنْ جَاءَهُمْ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ أَخَذُوهُ . 15323 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ إِلَى قَوْلِهِ : وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ، قَالَ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا يَسْتَقْضُونَ قَاضِيًا إِلَّا ارْتَشَى فِي الْحُكْمِ ، وَإِنَّ خِيَارَهُمُ اجْتَمَعُوا ، فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْعُهُودَ أَنْ لَا يَفْعَلُوا وَلَا يَرْتَشُوا ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا اسْتُقْضِيَ ارْتَشَى ، فَيُقَالُ لَهُ : مَا شَأْنُكَ تَرْتَشِي فِي الْحُكْمِ؟ فَيَقُولُ : سَيُغْفَرُ لِي ! فَيَطْعَنُ عَلَيْهِ الْبَقِيَّةُ الْآخَرُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا صَنَعَ . فَإِذَا مَاتَ ، أَوْ نُزِعَ ، وَجُعِلَ مَكَانَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَطْعَنُ عَلَيْهِ ، فَيَرْتَشِي .
يَقُولُ : وَإِنْ يَأْتِ الْآخَرِينَ عَرَضُ الدُّنْيَا يَأْخُذُوهُ . وَأَمَّا عَرَضُ الْأَدْنَى ، فَعَرَضُ الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ . 15324 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ، يَقُولُ : يَأْخُذُونَ مَا أَصَابُوا وَيَتْرُكُونَ مَا شَاءُوا مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ ، وَيَقُولُونَ : سَيُغْفَرُ لَنَا .
15325 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى ، قَالَ : الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبُوهُ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ، لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ، يَأْتِهِمُ الْمُحِقُّ بِرِشْوَةٍ فَيُخْرِجُوا لَهُ كِتَابَ اللَّهِ ، ثُمَّ يَحْكُمُوا لَهُ بِالرَّشْوَةِ . وَكَانَ الظَّالِمُ إِذَا جَاءَهُمْ بِرَشْوَةٍ أَخْرَجُوا لَهُ الْمُثَنَّاةَ ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبُوهُ ، فَحَكَمُوا لَهُ بِمَا فِي الْمُثَنَّاةِ ، بِالرَّشْوَةِ ، فَهُوَ فِيهَا مُحِقٌّ ، وَهُوَ فِي التَّوْرَاةِ ظَالِمٌ ، فَقَالَ اللَّهُ : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ . 15326 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى ، قَالَ : يَعْمَلُونَ بِالذُّنُوبِ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ، قَالَ : الذُّنُوبُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 169 ) وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَلَمْ يُؤْخَذْ ، عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُرْتَشِينَ فِي أَحْكَامِهِمُ ، الْقَائِلِينَ : سَيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا فِعْلَنَا هَذَا ، إِذَا عُوتِبُوا عَلَى ذَلِكَ مِيثَاقُ الْكِتَابِ ، وَهُوَ أَخْذُ اللَّهِ الْعُهُودَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بِإِقَامَةِ التَّوْرَاةِ ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا . فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَّ قِصَّتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، مُوَبِّخًا عَلَى خِلَافِهِمْ أَمْرَهُ ، وَنَقْضِهِمْ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ : أَلَمْ يَأْخُذِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِيثَاقَ كِتَابِهِ ، أَلَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ، وَلَا يُضِيفُوا إِلَيْهِ إِلَّا مَا أَنَزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَأَنْ لَا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ؟ كَمَا : - 15327 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ ، قَالَ : فِيمَا يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ مِنْ غُفْرَانِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لَا يَزَالُونَ يَعُودُونَ فِيهَا وَلَا يَتُوبُونَ مِنْهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ، فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : وَرِثُوا الْكِتَابَ ، وَمَعْنَاهُ : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ، وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ، قَرَأُوا مَا فِيهِ ، يَقُولُ : وَرِثُوا الْكِتَابَ فَعَلِمُوا مَا فِيهِ وَدَرَسُوهُ ، فَضَيَّعُوهُ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ ، وَخَالَفُوا عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ، كَمَا : - 15328 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ، قَالَ : عَلَّمُوهُ ، عَلَّمُوا مَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهَ ، وَقَرَأَ : بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ، [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 79 ] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ مَا فِي الْمَعَادِ عِنْدَ اللَّهِ ، مِمَّا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ ، وَالْعَامِلِينَ بِمَا أَنَزَلَ فِي كِتَابِهِ ، الْمُحَافِظِينَ عَلَى حُدُودِهِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ ، وَيَخَافُونَ عِقَابَهُ ، فَيُرَاقِبُونَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَيُطِيعُونَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي دُنْيَاهُمْ أَفَلا يَعْقِلُونَ ، يَقُولُ : أَفَلَا يَعْقِلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى عَلَى أَحْكَامِهِمْ ، وَيَقُولُونَ : سَيُغْفَرُ لَنَا ، أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ الْعَادِلِينَ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَحْكَامِهِمْ ، خَيْرٌ مِنْ هَذَا الْعَرَضِ الْقَلِيلِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى خِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ ، وَالْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْجَوْرِ؟