الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ( ذَلِكُمْ ) ، هَذَا الْفِعْلَ مِنْ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَرَمْيِهِمْ حَتَّى انْهَزَمُوا ، وَابْتِلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَلَاءَ الْحَسَنَ بِالظَّفَرِ بِهِمْ ، وَإِمْكَانِهِمْ مِنْ قَتْلِهِمْ وَأَسْرِهِمْ فِعْلُنَا الَّذِي فَعَلْنَا وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ، يَقُولُ : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ ذَلِكَ مُضْعِفٌ كَيْدَ الْكَافِرِينَ ، يَعْنِي : مَكْرَهُمْ ، حَتَّى يَذِلُّوا وَيَنْقَادُوا لِلْحَقِّ ، أَوْ يُهْلَكُوا . وَفَى فَتْحِ أَنَّ مِنَ الْوُجُوهِ مَا فِي قَوْلِهِ : ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ، [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 14 ] ، وَقَدْ بَيَّنْتُهُ هُنَالِكَ . وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( مُوهِنُ ) .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : مُوَهِّنُ بِالتَّشْدِيدِ ، مِنْ : وَهَّنْتُ الشَّيْءَ ، ضَعَّفْتُهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : ( مُوهِنُ ) ، مِنْ أَوْهَنْتُهُ فَأَنَا مُوهِنُهُ ، بِمَعْنَى : أَضْعَفْتُهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالتَّشْدِيدُ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ إِلَيَّ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يَنْقُضُ مَا يُبْرِمُهُ الْمُشْرِكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، عَقْدًا بَعْدَ عَقْدٍ ، وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ وَجْهًا صَحِيحًا .