حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) ، بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، يَقُولُ : بَعْضُهُمْ أَعْوَانُ بَعْضٍ وَأَنْصَارُهُ ، وَأَحَقُّ بِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَحَقُّ بِمِيرَاثِ بَعْضٍ مِنْ قَرَابَتِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَنْ حَضَرَنَا ذِكْرُهُ . 16343 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : نُوَرِّثُ أَرْحَامَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ! فَنَزَلَتْ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، الْآيَةَ .

16344 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، نَزَلَتْ فِي مَوَارِيثِ مُشْرِكِي أَهْلِ الْعَهْدِ . 16345 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ، إِلَى قَوْلِهِ : وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، قَالَ : كَانَ الْمُؤْمِنُ الْمُهَاجِرُ وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَيْسَ بِمُهَاجِرٍ ، لَا يَتَوَارَثَانِ وَإِنْ كَانَا أَخَوَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ . قَالَ : وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الدِّينَ كَانَ بِهَذَا الْبَلَدِ قَلِيلًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ ، وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ تَوَارَثُوا حَيْثُمَا كَانُوا بِالْأَرْحَامِ .

وَقَالَ النَّبِيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَقَرَأَ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ الْكُفَّارَ بَعْضُهُمْ أَنْصَارُ بَعْضٍ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُهَاجِرْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16346 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، قَالَ : كَانَ يَنْزِلُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ، فَيَقُولُ : إِنْ ظَهَرَ هَؤُلَاءِ كُنْتُ مَعَهُمْ ، وَإِنْ ظَهَرَ هَؤُلَاءِ كُنْتُ مَعَهُمْ! فَأَبَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، فَلَا تَرَاءَى نَارُ مُسْلِمٍ وَنَارُ مُشْرِكٍ ، إِلَّا صَاحِبَ جِزْيَةٍ مُقِرٍّ بِالْخَرَاجِ .

16347 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَضَّ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى التَّوَاصُلِ ، فَجَعَلَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدِّينِ دُونَ سِوَاهُمْ ، وَجَعَلَ الْكُفَّارَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : إِلَّا تَفْعَلُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، مَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ مُوَارَثَةِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْكُمْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالْهِجْرَةِ ، وَالْأَنْصَارِ بِالْإِيمَانِ ، دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ مِنْ أَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ وَدُونَ الْكُفَّارِ ( تَكُنْ فِتْنَةٌ ) ، يَقُولُ : يَحْدُثُ بَلَاءٌ فِي الْأَرْضِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، يَعْنِي : وَمَعَاصٍ لِلَّهِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16348 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، إِلَّا تَفْعَلُوا هَذَا ، تَتْرُكُوهُمْ يَتَوَارَثُونَ كَمَا كَانُوا يَتَوَارَثُونَ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ . قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْإِيمَانَ إِلَّا بِالْهِجْرَةِ ، وَلَا يَجْعَلُونَهُمْ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْهِجْرَةِ . 16349 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، يَعْنِي فِي الْمِيرَاثِ ( إِلَّا تَفْعَلُوهُ ) ، يَقُولُ : إِلَّا تَأْخُذُوا فِي الْمِيرَاثِ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا تَنَاصَرُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِي الدِّينِ ، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16350 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : جَعَلَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدِّينِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ ، وَجَعَلَ الْكُفَّارَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، إِلَّا يُوَالِ الْمُؤْمِنُ الْمُؤْمِنَ مِنْ دُونِ الْكَافِرِ ، وَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ بِهِ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، أَيْ : شُبْهَةٌ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَظُهُورُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، بِتَوَلِّي الْمُؤْمِنِ الْكَافِرَ دُونَ الْمُؤْمِنِ ، ثُمَّ رَدَّ الْمَوَارِيثَ إِلَى الْأَرْحَامِ . 16351 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، قَالَ : إِلَّا تَعَاوَنُوا وَتَنَاصَرُوا فِي الدِّينِ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْصَارُ بَعْضٍ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَّهُ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَتَرْكِ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ مَعْنَى الْوَلِيِّ ، أَنَّهُ النَّصِيرُ وَالْمُعِينُ ، أَوِ ابْنُ الْعَمِّ وَالنَّسِيبُ ، فَأَمَّا الْوَارِثُ فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِيهِ ، إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلِيهِ فِي الْقِيَامِ بِإِرْثِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَذَلِكَ مَعْنًى بَعِيدٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ .

وَتَوْجِيهُ مَعْنَى كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَظْهَرِ الْأَشْهَرِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ أَنَّ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِقَوْلِهِ : إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : إِلَّا تَفْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنَ التَّعَاوُنِ وَالنُّصْرَةِ عَلَى الدِّينِ ، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ إِذْ كَانَ مُبْتَدَأُ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . بِالْحَثِّ عَلَى الْمُوَالَاةِ عَلَى الدِّينِ وَالتَّنَاصُرِ جَاءَ ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ خَاتِمَتُهَا بِهِ .

موقع حَـدِيث