الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا تَكُونُ ، يَا مُحَمَّدُ فِي شَأْنٍ ، يَعْنِي : فِي عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ يَقُولُ : وَمَا تَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ، يَقُولُ : وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ أَيُّهَا النَّاسُ ، مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا يَقُولُ : إِلَّا وَنَحْنُ شُهُودٌ لِأَعْمَالِكُمْ وَشُئُونِكِمْ ، إِذْ تَعْمَلُونَهَا وَتَأْخُذُونَ فِيهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْقَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17696 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ يَقُولُ : إِذْ تَفْعَلُونَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِذْ تُشِيعُونَ فِي الْقُرْآنِ الْكَذِبَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17697 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنِ الضَّحَّاكِ : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ، يَقُولُ : تُشِيعُونَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْكَذِبِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِذْ تُفِيضُونَ فِي الْحَقِّ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17698 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ فِي الْحَقِّ مَا كَانَ . 17699 - . قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
17700 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِيهِ ، لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ عِبَادُهُ عَمَلًا إِلَّا كَانَ شَاهِدَهُ ، ثُمَّ وَصَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ، فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ قَوْلَهُ : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ عَنْ وَقْتِ عَمَلِ الْعَامِلِينَ أَنَّهُ لَهُ شَاهَدٌ لَا عَنْ وَقْتِ تِلَاوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ خَبَرًا عَنْ شُهُودِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَقْتَ إِفَاضَةِ الْقَوْمِ فِي الْقُرْآنِ ، لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِالْيَاءِ : إِذْ يُفِيضُونَ فِيهِ خَبَرًا مِنْهُ عَنِ الْمُكَذِّبِينَ فِيهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَيْسَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنِ الْمُكَذِّبِينَ ، وَلَكِنَّهُ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ شَاهَدَهُ إِذْ تَلَا الْقُرْآنَ .
فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ التَّنْزِيلُ : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ لَا جَمْعٌ ، كَمَا قَالَ : وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ ، فَأَفْرَدَهُ بِالْخِطَابِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ فِي ابْتِدَائِهِ خِطَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِفْرَادِ ، ثُمَّ عَوْدِهِ إِلَى إِخْرَاجِ الْخِطَابِ عَلَى الْجَمْعِ نَظِيرَ قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، [ سُورَةُ الطَّلَاقِ : 1 ] ، وَذَلِكَ أَنْ فِي قَوْلِهِ : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى صَرْفِهِ الْخِطَابَ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ جَمَاعَةِ النَّاسِ غَيْرَهُ ، لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ خِطَابَهُ ، ثُمَّ صَرَفَ الْخِطَابَ إِلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ . وَخَبَرٌ عَنْ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِهِ عَمَلًا إِلَّا وَهُوَ لَهُ شَاهِدٌ ، يُحْصَى عَلَيْهِ وَيُعْلَمُهُ كَمَا قَالَ : وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، عَمَلُ خَلْقِهِ ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ حَيْثُ كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ سَمَاءٍ . وَأَصْلُهُ مِنْ عُزُوبِ الرَّجُلِ عَنْ أَهْلِهِ فِي مَاشِيَتِهِ وَذَلِكَ غَيْبَتُهُ عَنْهُمْ فِيهَا ، يُقَالُ مِنْهُ : عَزَبَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِهِ يَعْزُبُ وَيَعْزِبُ .
لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ ، قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ . وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، لِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا وَاسْتِفَاضَتِهِمَا فِي مَنْطِقِ الْعَرَبِ ، غَيْرَ أَنِّي أَمِيلُ إِلَى الضَّمِّ فِيهِ ، لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الْمَشْهُورِينَ مِنَ الْقُرَّاءِ . وَقَوْلُهُ : مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ، يَعْنِي : مِنْ زِنَةِ نَمْلَةٍ صَغِيرَةٍ .
يُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ : خُذْ هَذَا فَإِنَّهُ أَخَفُّ مِثْقَالًا مِنْ ذَاكَ ، أَيْ : أَخَفُّ وَزْنًا . وَ الذَّرَّةُ وَاحِدَةُ : الذَّرِّ وَ الذَّرُّ صِغَارُ النَّمْلِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَصْغَرُ الْأَشْيَاءِ ، وَإِنَّ خَفَّ فِي الْوَزْنِ كُلَّ الْخِفَّةِ ، وَمَقَادِيرُ ذَلِكَ وَمَبْلَغُهُ ، وَلَا أَكْبَرُهَا وَإِنَّ عَظُمَ وَثَقُلَ وَزْنُهُ ، وَكَمْ مَبْلَغُ ذَلِكَ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِخَلْقِهِ : فَلْيَكُنْ عَمَلُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا يُرْضِي رَبَّكُمْ عَنْكُمْ ، فَإِنَّا شُهُودٌ لِأَعْمَالِكُمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْنَا شَيْءٌ مِنْهَا ، وَنَحْنُ مُحْصُوهَا وَمُجَازُوكُمْ بِهَا .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ . فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنْ ( أَصْغَرَ ) وَ ( أَكْبَرَ ) عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا الْخَفْضِ ، عَطْفًا بِالْأَصْغَرِ عَلَى الذَّرَّةِ ، وَبِالْأَكْبَرِ عَلَى الْأَصْغَرِ ، ثُمَّ فُتِحَتْ رَاؤُهُمَا ، لِأَنَّهُمَا لَا يُجَرَّانِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : [ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ ] رَفْعًا ، عَطْفًا بِذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْمِثْقَالِ ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ الرَّفْعُ .
وَذَلِكَ أَنْ ( مِنْ ) لَوْ أُلْقِيَتْ مِنَ الْكَلَامِ ، لَرُفِعَ الْمِثْقَالُ ، وَكَانَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ : وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ وَلَا أَكْبَرُ وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ، وَ غَيْرُ اللَّهِ ، [ سُورَةُ فَاطِرٍ : 3 ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ ، عَلَى وَجْهِ الْخَفْضِ وَالرَّدِّ عَلَى الذَّرَّةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ قِرَاءَةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، وَعَلَيْهِ عَوَامُّ الْقُرَّاءِ ، وَهُوَ أَصَحُّ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَخْرَجًا ، وَإِنْ كَانَ لِلْأُخْرَى وَجْهٌ مَعْرُوفٌ . وَقَوْلُهُ : إِلا فِي كِتَابٍ ، يَقُولُ : وَمَا ذَاكَ كُلُّهُ إِلَّا فِي كِتَابٍ عِنْدَ اللَّهِ ( مُبِينٍ ) عَنْ حَقِيقَةِ خَبَرِ اللَّهِ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ .
أَنَّهُ لَا شَيْءَ كَانَ أَوْ يَكُونُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَاهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَعْزُبُ عَنِ اللَّهِ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ . 17701 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَمَا يَعْزُبُ ، يَقُولُ : لَا يَغِيبُ عَنْهُ . 17702 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ، قَالَ : مَا يَغِيبُ عَنْهُ .