حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاتْلُ ) عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي قَالُوا : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مِنْ قَوْمِكَ نَبَأَ نُوحٍ يَقُولُ : خَبَرَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي يَقُولُ : إِنْ كَانَ عَظُمَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ ، وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ يَقُولُ ، وَوَعْظِي إِيَّاكُمْ بِحُجَجِ اللَّهِ ، وَتَنْبِيهِي إِيَّاكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ، يَقُولُ : إِنْ كَانَ شَقَّ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ، فَعَزَمْتُمْ عَلَى قَتْلِي أَوْ طَرْدِي مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ ، فَعَلَى اللَّهِ اتِّكَالِي وَبِهِ ثِقَتِي ، وَهُوَ سَنَدِي وَظَهْرِي فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ يَقُولُ : فَأَعِدُّوا أَمْرَكُمْ ، وَاعْزِمُوا عَلَى مَا تَنْوُونَ عَلَيْهِ فِي أَمْرِي . يُقَالُ مِنْهُ : أَجْمَعْتُ عَلَى كَذَا بِمَعْنَى : عَزَمْتُ عَلَيْهِ . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صَوْمَ لَهُ بِمَ عَنَى : مَنْ لَمْ يَعْزِمْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْرَجِ فِي ذَلِكَ مَا : 17760 - حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ هَارُونَ عَنْ أُسَيْدٍ عَنِ الْأَعْرَجِ : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ، يَقُولُ : أَحْكِمُوا أَمْرَكُمْ ، وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ .

وَنُصِبَ قَوْلُهُ : وَشُرَكَاءَكُمْ ، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لَهُ ، وَذَلِكَ : وَادْعَوْا شُرَكَاءَكُمْ وَعَطَفَ بِ الشُّرَكَاءِ عَلَى قَوْلِهِ : ( أَمْرَكُمْ ) ، عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ : وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا فَالرُّمْحُ لَا يُتَقَلَّدُ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيمَا أُظْهِرَ مِنَ الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى مَا حُذِفَ ، اكْتُفِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ مِمَّا حُذِفَ ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : وَشُرَكَاءَكُمْ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ قُرَأَةُ الْأَمْصَارِ : وَشُرَكَاءَكُمْ نَصْبًا ، وَقَوْلُهُ : ( فَأَجْمِعُوا ) بِهَمْزِ الْأَلِفِ وَفَتْحِهَا ، مِنْ : أَجْمَعْتُ أَمْرِي فَأَنَا أُجْمِعُهُ إِجْمَاعًا .

وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ، بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَهَمْزِهَا وَشُرَكَاؤُكُمْ ، بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى : وَأَجْمَعُوا أَمْرَكُمْ ، وَلِيَجْمَعْ أَمْرَهُمْ أَيْضًا مَعَكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ، بِفَتْحِ الْأَلْفِ مِنْ أَجْمَعُوا وَنَصْبِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَلِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا وَرَفْضِ مَا خَالَفَهَا ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهَا بِمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ . وَعَنِيَ بِ الشُّرَكَاءِ آلِهَتَهُمْ وَأَوْثَانَهُمْ .

وَقَوْلُهُ : ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً يَقُولُ : ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا مُبْهَمًا . مِنْ قَوْلِهِمْ : غُمَّ عَلَى النَّاسِ الْهِلَالُ وَذَلِكَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَتَبَيَّنُوهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَاجِ : بَلْ لَوْ شَهِدْتِ النَّاسَ إِذْ تُكُمُّوا بِغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْغَمِّ لِأَنَّ الصَّدْرَ يَضِيقُ بِهِ ، وَلَا يَتَبَيَّنُ صَاحِبُهُ لِأَمْرِهِ مَصْدَرًا يَصْدُرُهُ يَتَفَرَّجُ عَلَيْهِ مَا بِقَلْبِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ خَنْسَاءَ : وَذِي كُرْبَةٍ رَاخَى ابْنُ عَمْرٍو خِنَاقَهُ وَغُمَّتَهُ عَنْ وَجْهِهِ فَتَجَلَّتِ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا : 17761 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ، قَالَ : لَا يَكْبُرُ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : ثُمَّ امْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ وَافْرَغُوا مِنْهُ ، كَمَا : 17762 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ قَالَ : اقْضُوا إِلَيَّ مَا كُنْتُمْ قَاضِينَ .

17763 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ، قَالَ : اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ . 17764 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ .

فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : امْضُوا إِلَيَّ ، كَمَا يُقَالُ : قَدْ قَضَى فُلَانٌ يُرَادُ : قَدْ مَاتَ وَمَضَى . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ مَعْنَاهُ : ثُمَّ افْرَغُوا إِلَيَّ ، وَقَالُوا : الْقَضَاءُ الْفَرَاغُ ، وَالْقَضَاءُ مِنْ ذَلِكَ . قَالُوا : وَكَأَنَّ قَضَى دَيْنَهُ مِنْ ذَلِكَ ، إِنَّمَا هُوَ فَرَغَ مِنْهُ .

وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : ( ثُمَّ أَفْضُوا إِلَيَّ ) ، بِمَعْنَى : تَوَجَّهُوا إِلَيَّ حَتَّى تَصِلُوا إِلَيَّ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : قَدْ أَفْضَى إِلَيَّ الْوَجَعُ وَشَبْهُهُ . وَقَوْلُهُ : وَلا تُنْظِرُونِ يَقُولُ : وَلَا تُؤَخِّرُونَ . مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَنْظَرْتُ فُلَانًا بِمَا لِي عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قَوْلِ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ : إِنَّهُ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ وَاثِقٌ ، وَمِنْ كَيْدِهِمْ وَبَوَائِقِهِمْ غَيْرُ خَائِفٍ ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ آلِهَتَهُمْ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، يَقُولُ لَهُمُ : امْضُوا مَا تُحَدِّثُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهِ فِيَّ ، عَلَى عَزْمٍ مِنْكُمْ صَحِيحٍ ، وَاسْتَعِينُوا مَنْ شَايَعَكُمْ عَلَيَّ بِآلِهَتِكُمُ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَلَا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ ، فَإِنِّي قَدْ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ ، وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ أَنَّكُمْ لَا تَضُرُّونِي إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ فَإِنَّهُ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ سَبِيلَ الرَّشَادِ فِيمَا قَلَّدَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالْبَلَاغِ عَنْهُ .

موقع حَـدِيث