الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلَمَّا أَلْقَوْا مَا هُمْ مُلْقُوهُ ، قَالَ لَهُمْ مُوسَى : مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنْ مُوسَى عَنِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ سِحْرٌ .
كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى تَأْوِيلِهِمْ : قَالَ مُوسَى : الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ أَيُّهَا السَّحَرَةُ ، هُوَ السِّحْرُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَبَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ الْبَصْرِيِّينَ : مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ مُوسَى إِلَى السَّحَرَةِ عَمَّا جَاءُوا بِهِ ، أَسِحْرٌ هُوَ أَمْ غَيْرُهُ ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ لَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ ، لِأَنَّ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ شَاكًّا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ السَّحَرَةُ أَنَّهُ سِحْرٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى اسْتِخْبَارِ السَّحَرَةِ عَنْهُ ، أَيُّ شَيْءٍ هُوَ ؟ وَأُخْرَى أَنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَدْ كَانَ عَلَى عِلْمٍ مِنَ السَّحَرَةِ ، إِنَّمَا جَاءَ بِهِمْ فِرْعَوْنُ لِيُغَالِبُوهُ عَلَى مَا كَانَ جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُ ، فَلَمْ يَكُنْ يَذْهَبُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَهُ فِي الْخَبَرِ عَمَّا جَاءُوهُ بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ ، فَيَسْتَخْبِرُهُمْ أَوْ يَسْتَجِيزُ اسْتِخْبَارَهُمْ عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ عَالِمٌ بِبُطُولِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَتَاهُ . وَمُبْطِلٌ كَيْدَهُمْ بِحَدِّهِ .
وَهَذِهِ أَوْلَى بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأُخْرَى . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا وَجْهُ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي السِّحْرِ إِنَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ فِي نَظِيرِ هَذَا أَنْ يَقُولُوا : مَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرٌو دِرْهَمٌ وَالَّذِي أَعْطَانِي أَخُوكَ دِينَارٌ ، وَلَا يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا : الَّذِي أَعْطَانِي أَخُوكَ الدِّرْهَمُ وَمَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرٌو الدِّينَارُ ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى ، كَلَامُ الْعَرَبِ إِدْخَالُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي خَبَرِ مَا وَ الَّذِي إِذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْ مَعْهُودٍ قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطِبُ وَالْمُخَاطَبُ ، بَلْ لَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، لِأَنَّ الْخَبَرَ حِينَئِذٍ خَبَرٌ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ إِذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْ مَجْهُولٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ وَلَا مَقْصُودٍ قَصْدَ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، فَحِينَئِذٍ لَا تَدْخُلُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْخَبَرِ . وَخَبَرُ مُوسَى كَانَ خَبَرًا عَنْ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَ السَّحَرَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ نُسِبَتْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَمًا لَهُ عَلَى صِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ ، إِلَى أَنَّهُ سِحْرٌ ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : السِّحْرُ الَّذِي وَصَفْتُمْ بِهِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ أَيُّهَا السَّحَرَةُ ، هُوَ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ أَنْتُمْ ، لَا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَنَا .
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ . فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ يَقُولُ : سَيَذْهَبُ بِهِ ، فَذَهَبَ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَصَا مُوسَى قَدْ حَوَّلَهَا ثُعْبَانًا يَتَلَقَّفُهُ ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يَعْنِي : أَنَّهُ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ مِنْ سَعَى فِي أَرْضِ اللَّهِ بِمَا يَكْرَهُهُ ، وَعَمِلَ فِيهَا بِمَعَاصِيهِ . وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : ( مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ ) .
وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ بِنَحْوِ الَّذِي اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِيهِ .