الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَقَالَ قَوْمٌ يَا مُوسَى لِمُوسَى : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ، أَيْ بِهِ وَثِقْنَا ، وَإِلَيْهِ فَوَّضْنَا أَمْرَنَا . وَقَوْلُهُ : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ مُوسَى أَنَّهُمْ دَعَوْا رَبَّهُمْ فَقَالُوا : يَا رَبَّنَا لَا تَخْتَبِرْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ، وَلَا تَمْتَحِنُهُمْ بِنَا ! يَعْنُونَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي سَأَلُوهُ رَبَّهُمْ مِنْ إِعَاذَتِهِ ابْتِلَاءَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : سَأَلُوهُ أَنْ لَا يُظْهِرَهُمْ عَلَيْهِمْ ، فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا سُلِّطُوا عَلَيْهِمْ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْهِ وَهَوَانِ الْآخَرِينَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17783 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ : لَا يَظْهَرُوا عَلَيْنَا ، فَيَرَوْا أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنَّا . 17784 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ : قَالُوا : لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا فَيَرَوْا أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنَّا .
17785 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، قَالَ : لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا ، فَيَزْدَادُوا فِتْنَةً . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17786 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا .
17787 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ : لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيُضِلُّونَا . 17788 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ وَقَالَ أَيْضًا : فَيَفْتِنُونَا . 17789 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ : لَوْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَا سُلِّطْنَا عَلَيْهِمْ وَلَا عُذِّبُوا ، فَيَفْتَتِنُوا بِنَا .
17790 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، قَالَ : لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ : لَوْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَا سُلِّطْنَا عَلَيْهِمْ وَلَا عُذِّبُوا ، فَيَفْتَتِنُوا بِنَا . 17791 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، قَالَ : لَا تُصِبْنَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ وَلَا بِأَيْدِيهِمْ ، فَيَفْتَتِنُوا وَيَقُولُوا : لَوْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَا سُلِّطْنَا عَلَيْهِمْ وَلَا عُذِّبُوا . 17792 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، لَا تَبْتَلِنَا رَبَّنَا فَتُجْهِدْنَا ، وَتَجْعَلْهُ فِتْنَةً لَهُمْ ، هَذِهِ الْفِتْنَةَ .
وَقَرَأَ : فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ، [ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 63 ] ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ ، حِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَيَرْمُونَهُمْ ، أَلَيْسَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ وَسُوءًا لَهُمْ ، وَهِيَ بَلِيَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْقَوْمَ رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ يُجِيرَهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِحْنَةً لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وَبَلَاءً ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ مَصَدَّةٌ عَنِ اتِّبَاعِ مُوسَى وَالْإِقْرَارِ بِهِ ، وَبِمَا جَاءَهُمْ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ فِتْنَةً وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ لَهُمْ إِبْعَادًا مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَكَذَلِكَ مِنَ الْمَصَدَّةِ كَانَ لَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ : أَنْ لَوْ كَانَ قَوْمُ مُوسَى عَاجَلَتْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِحْنَةٌ فِي أَنْفُسِهِمْ ، مِنْ بَلِيَّةٍ تَنْزِلُ بِهِمْ ، فَاسْتَعَاذَ الْقَوْمُ بِاللَّهِ مِنْ كُلِّ مَعْنًى يَكُونُ صَادًّا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ بِأَسْبَابِهِمْ .