حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ . . . "

) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ الَّذِي وَعَدَهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ ، وَجَحَدَ مَا أَتَوْهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ ، وَإِنَّمَا قَالَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ تَثْبِيتًا وَتَشْدِيدًا لِعَزِيمَتِهِ ، وَمُعَرِّفَهُ أَنَّهُ مُنْزِلٌ مِنْ سُخْطِهِ بِمَنْ كَذَّبَهُ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا أَتَاهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، مِثَالَ مَا أَنْزَلَ بِمَنْ سَلَكُوا سَبِيلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِهِمْ مِنْ تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ وَجُحُودِ نُبُوَّتِهِمْ وَرَدِّ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَعْنِي بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لَا يُمَانَعُ مِنْهُ شَيْءٌ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ ، قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مَنْ طَلَبَهُ ، لَا يَفُوتُهُ بِالْهَرَبِ مِنْهُ . ذُو انْتِقَامٍ مِمَّنْ كَفَرَ بِرُسُلِهِ وَكَذَّبَهُمْ ، وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُمْ ، وَأَشْرَكَ بِهِ وَاتَّخَذَ مَعَهُ إِلَهَا غَيْرَهُ .

وَأُضِيفُ قَوْلُهُ ( مُخْلِفَ ) إِلَى الْوَعْدِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ، لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِعِ الِاسْمِ ، وَنُصِبَ قَوْلُهُ ( رُسُلَهَ ) بِالْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى : فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ رُسُلِهِ وَعْدَهُ ، فَالْوَعْدُ وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا بِإِضَافَةِ مُخْلِفَ إِلَيْهِ ، فَفِي مَعْنَى النَّصْبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِخْلَافَ يَقَعُ عَلَى مَنْصُوبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : كَسَوْتُ عَبْدَ اللَّهِ ثَوْبًا ، وَأَدْخَلْتُهُ دَارًا ; وَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ كَذَلِكَ يَقَعُ عَلَى مَنْصُوبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، جَازَ تَقْدِيمُ أَيِّهِمَا قُدِّمَ ، وَخَفْضُ مَا وَلِيَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ فِي صُورَةِ الْأَسْمَاءِ ، وَنَصْبُ الثَّانِي ، فَيُقَالُ : أَنَا مُدْخِلُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّارَ ، وَأَنَا مُدْخِلُ الدَّارِ عَبْدَ اللَّهِ ، إِنْ قَدَّمْتَ الدَّارَ إِلَى الْمُدْخِلِ وَأَخَّرْتَ عَبْدَ اللَّهِ خَفَضْتَ الدَّارَ ، إِذْ أُضِيفَ مُدْخِلُ إِلَيْهَا ، وَنُصِبَ عَبْدُ اللَّهِ ; وَإِنْ قُدِّمَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِ ، وَأُخِّرَتِ الدَّارُ ، خُفِضَ عَبْدُ اللَّهِ بِإِضَافَةِ مُدْخِلٍ إِلَيْهِ ، وَنُصِبَ الدَّارُ ; وَإِنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْفِعْلَ ، أَعْنِي مُدْخِلَ ، يَعْمَلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصْبًا نَحْوَ عَمَلِهِ فِي الْآخَرِ ; وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تَرَى الثَّوْرَ فِيهَا مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وَسَائِرُهُ بَادٍ إِلَى الشَّمْسِ أَجْمَعُ أَضَافَ مُدْخِلَ إِلَى الظِّلِّ ، وَنَصَبَ الرَّأْسَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : مُدْخِلٌ رَأْسَهُ الظِّلَّ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ : فَرِشْنِي بِخَيْرٍ لَا أَكُونَ وَمِدْحَتِي كَنَاحِتِ يَوْمٍ صَخْرَةً بِعَسِيلِ وَالْعَسِيلُ : الرِّيشَةُ جُمِعَ بِهَا الطِّيِبُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : كَنَاحِتِ صَخْرَةٍ يَوْمًا بِعَسِيلٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ : رُبَّ ابْنِ عَمٍّ لِسُلَيْمَى مُشْمَعِلْ طَبَّاخِ سَاعَاتِ الْكَرَى زَادِ الْكَسِلْ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : طَبَّاخُ زَادِ الْكَسِلِ سَاعَاتِ الْكَرَى . فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ بُعْدِهِ مِنَ الصِّحَّةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، عِنْدَ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

موقع حَـدِيث