الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَجَعَلْنَا لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِي الْأَرْضِ ( مَعَايِشَ ) ، وَهِيَ جَمْعُ مَعِيشَةٍ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ . اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهِ الدَّوَابَّ وَالْأَنْعَامَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : ثَنَا شَبَابَةُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ جَمِيعًا ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ الدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ : الْوَحْشَ خَاصَّةً . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ قَالَ : الْوَحْشُ ، فَتَأْوِيلُ مَنْ فِي : وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِمَعْنَى مَا ، وَذَلِكَ قَلِيلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .
وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، وَأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ : عَنَى بِقَوْلِهِ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ . فَمَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ . وَالْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ وَالدَّوَابَّ وَالْأَنْعَامَ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، حَسُنَ أَنْ تُوضَعَ حِينَئِذٍ مَكَانَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ مَنْ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنِ الْبَهَائِمِ مَعَهَا بَنُو آدَمَ .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَصَرَفْنَا إِلَيْهِ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا كَانَتْ مَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا بِهِ عَلَى مَعَايِشَ بِمَعْنَى : جَعَلَنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ . وَقِيلَ : إِنَّ مَنْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا بِهِ عَلَى الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ بِمَعْنَى : ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ وَأَحْسَبُ أَنَّ مَنْصُورًا فِي قَوْلِهِ : هُوَ الْوَحْشُ قَصَدَ هَذَا الْمَعْنَى وَإِيَّاهُ أَرَادَ ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَبِعِيدٌ قَلِيلٌ ، لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَظَاهَرُ عَلَى مَعْنًى فِي حَالِ الْخَفْضِ ، وَرُبَّمَا جَاءَ فِي شِعْرِ بَعْضِهِمْ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : هَلَّا سَأَلْتَ بذِي الْجَمَاجِمِ عَنْهُمُ وَأَبِي نُعَيْمٍ ذِي اللِّوَاءِ الْمُخَرَّقِ فَرَدَّ أَبَا نُعَيْمٍ عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي عَنْهُمْ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ قُبْحَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ .