الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَشَبَّهَ لَكُمْ شَبَهًا أَيُّهَا النَّاسُ لِلْكَافِرِ مِنْ عَبِيدِهِ ، وَالْمُؤْمِنِ بِهِ مِنْهُمْ . فَأَمَّا مَثَلُ الْكَافِرِ : فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَلَا يَأْتِي خَيْرًا ، وَلَا يُنْفِقُ فِي شَيْءٍ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَالَهُ لِغَلَبَةِ خِذْلَانِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ ، الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ فَيُنْفِقُهُ . وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَيُنْفِقُ فِي سَبِيلِهِ مَالَهُ كَالْحُرِّ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفَقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ، يَقُولُ : بِعِلْمٍ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِ عِلْمٍ هَلْ يَسْتَوُونَ يَقُولُ هَلْ يَسْتَوِي الْعَبْدُ الَّذِي لَا يِمْلِكُ شَيْئًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا الْحُرُّ الَّذِي قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ كَمَا وَصَفَ ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُ الْعَامِلُ بِمَعَاصِي اللَّهِ الْمُخَالِفُ أَمْرَهُ ، وَالْمُؤْمِنُ الْعَامِلُ بِطَاعَتِهِ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ ، رَزَقَهُ مَالًا فَلَمْ يُقَدِّمْ فِيهِ خَيْرًا وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهَذَا الْمُؤْمِنُ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَعَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَخَذَ بِالشُّكْرِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّ اللَّهِ ، فَأَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى مَا رَزَقَهُ الرِّزْقَ الْمُقِيمَ الدَّائِمَ لِأَهْلِهِ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا وَاللَّهِ مَا يَسْتَوِيَانِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ قَالَ : هُوَ الْكَافِرُ لَا يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَلَا يُنْفِقُ خَيْرًا وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا قَالَ : الْمُؤْمِنُ يُطِيعُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ يَعْنِي : الْكَافِرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْفِقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا يَعْنِي الْمُؤْمِنَ ، وَهَذَا الْمَثَلُ فِي النَّفَقَةِ . وَقَوْلُهُ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) يَقُولُ : الْحَمْدُ الْكَامِلُ لِلَّهِ خَالِصًا دُونَ مَا تَدْعُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ فَإِيَّاهُ فَاحْمَدُوا دُونَهَا . وَقَوْلُهُ : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ : مَا الْأَمْرُ كَمَا تَفْعَلُونَ ، وَلَا الْقَوْلُ كَمَا تَقُولُونَ ، مَا لِلْأَوْثَانِ عِنْدَهُمْ مِنْ يَدٍ وَلَا مَعْرُوفٍ فَتُحْمَدُ عَلَيْهِ ، إِنَّمَا الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ يَجْعَلُونَهَا لِلَّهِ شُرَكَاءَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْحَمْدِ .
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ : ضَرَبَ اللَّهُ هَذَا الْمَثَلَ ، وَالْمَثَلَ الْآخَرَ بَعْدَهُ لِنَفْسِهِ ، وَالْآلِهَةِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ .