الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا . . . "
) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : هَذِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ﴾ فَقَالَ ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ﴾. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ﴾ فَقَالَ : قَالَ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ﴾ قَالَ : مَنْ عَمِيَ عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ فِي الدُّنْيَا ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَعْمَى عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ فِيهَا وَحُجَجِهِ ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى يَقُولُ : مَنْ عَمِيَ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ أَعْمَى قَالَ : الدُّنْيَا . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى يَقُولُ : مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَعْمَى عَمَّا عَايَنَ فِيهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ وَعَجَائِبِهِ فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا فِيمَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَأَعْمَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا فِيمَا أَرَاهُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَالنُّجُومِ فَهُوَ فِي الآخِرَةِ الْغَائِبَةِ الَّتِي لَمْ يَرَهَا أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ﴾ فَقَرَأَ ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ وَقَرَأَ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾ وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ قَالَ : كُلٌّ لَهُ مُطِيعُونَ ، إِلَّا ابْنَ آدَمَ . قَالَ : فَمَنْ كَانَتْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يَعْرِفُ أَنَّهَا مِنَّا ، وَيَشْهَدُ عَلَيْهَا وَهُوَ يَرَى قُدْرَتَنَا وَنِعْمَتَنَا أَعْمَى ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي لَمْ يَرَهَا أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَعْمَى عَنْ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِخَلْقِهَا وَتَدْبِيرِهَا ، وَتَصْرِيفِ مَا فِيهَا ، فَهُوَ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ الَّتِي لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يُعَايِنْهَا ، وَفِيمَا هُوَ كَائِنٌ فِيهَا أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا يَقُولُ : وَأَضَلُّ طَرِيقًا مِنْهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا الَّتِي قَدْ عَايَنَهَا وَرَآهَا . وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُخَصِّصْ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ( أَعْمَى ) عَمَى الْكَافِرِ بِهِ عَنْ بَعْضِ حُجَجِهِ عَلَيْهِ فِيهَا دُونَ بَعْضٍ ، فَيُوَجِّهُ ذَلِكَ إِلَى عَمَاهُ عَنْ نِعَمِهِ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَكْرِيمِهِ بُنِيَ آدَمَ ، وَحَمْلِهِ إِيَّاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَمَا عَدَّدَ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ، بَلْ عَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْ عَمَاهُ فِي الدُّنْيَا ، فَهُمْ كَمَا عَمَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى فَكَسَرَتِ الْقَرَأَةُ جَمِيعًا أَعْنِي الْحَرْفَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى .
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى فَإِنَّ عَامَّةَ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ أَمَالَتْ أَيْضًا قَوْلَهُ فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَمَّا بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُ فَتَحَهُ ، وَتَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى : فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَشَدُّ عَمًى ، وَاسْتُشْهِدَ لِصِحَّةِ قِرَاءَتِهِ بِقَوْلِهِ وَأَضَلُّ سَبِيلا . وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ لِلشَّاهِدِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ قَارِئِهِ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ مِنْ كَرِهِ قِرَاءَتِهِ كَذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ قَصْدَ عَمَى الْعَيْنَيْنِ الَّذِي لَا يُوصَفُ أَحَدٌ بِأَنَّهُ أَعْمَى مِنْ آخَرَ أَعْمَى ، إِذْ كَانَ عَمَى الْبَصَرِ لَا يَتَفَاوَتُ ، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَزْيَدَ عَمًى مِنَ الْآخَرِ ، إِلَّا بِإِدْخَالِ : أَشَدَّ أَوْ أَبْيَنَ ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ التَّفَاوُتُ ، فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ عَمَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ ، عَنْ حُجَجِ اللَّهِ الَّتِي قَدْ عَايَنَتْهَا أَبْصَارُهُمْ ، فَلِذَلِكَ جَازَ ذَلِكَ وَحَسُنَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى قَالَ : أَعْمَى عَنْ حُجَّتِهِ فِي الْآخِرَةِ .