الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا "
) ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا ﴾( 5 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يُحَذِّرُ أَيْضًا مُحَمَّدٌ الْقَوْمَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ ، بَأْسَ اللَّهِ وَعَاجِلَ نَقْمَتِهِ ، وَآجِلَ عَذَابِهِ ، عَلَى قِيلِهِمْ ذَلِكَ . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا فِي قَوْلِهِمْ : إِنَّمَا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ ، وَهُنَّ بَنَاتُ اللَّهِ ، وَقَوْلُهُ : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يَقُولُ : مَا لِقَائِلِي هَذَا الْقَوْلَ ، يَعْنِي قَوْلَهُمْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ( بِهِ ) : يَعْنِي بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ ، وَالْهَاءَ فِي قَوْلِهِ ( بِهِ ) مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : مَا لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذَا الْقَوْلَ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ عِلْمٍ ، فَلِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَعَظَمَتِهِ قَالُوا ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ وَلا لآبَائِهِمْ يَقُولُ : وَلَا لِأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُمْ عَلَى مَثَلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ ، كَانَ لَهُمْ بِاللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ عِلْمٌ ، وَقَوْلُهُ : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : كَبُرَتْ كَلِمَةً بِنَصْبِ كَلِمَةٍ بِمَعْنَى : كَبُرَتْ كَلِمَتُهُمُ الَّتِي قَالُوهَا كَلِمَةً عَلَى التَّفْسِيرِ ، كَمَا يُقَالُ : نِعْمَ رَجُلَا عَمْرُو ، وَنِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا قَامَ ، وَنِعْمَ رَجُلًا قَامَ ، وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِييِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : نُصِبَتْ كَلِمَةٌ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى : أَكْبِرْ بِهَا كَلِمَةٌ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا وَقَالَ : هِيَ فِي النَّصْبِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّاعِرِ : وَلَقَدْ عَلِمْتُ إِذَا اللِّقَاحُ تَرَوَّحَتْ هَدَجَ الرِّئَالِ تَكُبُّهُنَّ شَمَالًا أَيْ تَكُبُّهُنَّ الرِّيَاحُ شَمَالًا فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ ، وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : كَبُرَتْ كَلِمَةً رَفْعًا ، كَمَا يُقَالُ : عَظُمَ قَوْلُكَ وَكَبُرَ شَأْنُكَ . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ كَبُرَتْ كَلِمَةً مُضْمَرٌ ، وَكَانَ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : كَبُرَتْ كَلِمَةً نَصْبًا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : عَظُمَتِ الْكَلِمَةُ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، وَالْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ .
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ ، وَقَوْلُهُ : إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا بِقَيْلِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا كَذِبًا وَفِرْيَةً افْتَرَوْهَا عَلَى اللَّهِ .