الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَتَحْسَبُ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةَ الَّذِينَ قَصَصْنَا عَلَيْكَ قِصَّتَهُمْ ، لَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي حَالِ ضَرْبِنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي كَهْفِهِمُ الَّذِي أَوَوْا إِلَيْهِ أَيْقَاظًا . وَالْأَيْقَاظُ : جَمْعُ يَقِظٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : وَوَجَدُوا إِخْوَتَهُمْ أَيْقَاظًا وسَيْفَ غَيَّاظٍ لَهُمْ غَيَّاظَا وَقَوْلُهُ : وَهُمْ رُقُودٌ يَقُولُ : وَهُمْ نِيَامٌ ، وَالرُّقُودُ : جَمْعُ رَاقِدٍ ، كَالْجُلُوسِ : جَمْعُ جَالِسٍ ، وَالْقُعُودُ : جَمْعُ قَاعِدٍ ، وَقَوْلُهُ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَنُقَلِّبُ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةَ فِي رَقْدَتِهِمْ مَرَّةً لِلْجَنْبِ الْأَيْمَنِ ، وَمَرَّةً لِلْجَنْبِ الْأَيْسَرِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَهَذَا التَّقْلِيبُ فِي رَقْدَتِهِمُ الْأُولَى ، قَالَ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ أَبَا عِيَاضٍ قَالَ : لَهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ تَقْلِيبَتَانِ .
حُدِّثْتُ عَنْ يَزِيدَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ قَالَ : لَوْ أَنَّهُمْ لَا يُقَلَّبُونَ لَأَكْلَتْهُمُ الْأَرْضُ . وَقَوْلُهُ : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ كَلْبٌ مِنْ كِلَابِهِمْ كَانَ مَعَهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ إِنْسَانًا مِنَ النَّاسِ طَبَّاخًا لَهُمْ تَبِعَهُمْ . وَأَمَّا الْوَصِيدُ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْفِنَاءُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ( بِالْوَصِيدِ ) يَقُولُ : بِالْفِنَاءِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قَالَ : بِالْفِنَاءِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( بِالْوَصِيدِ ) قَالَ : بِالْفِنَاءِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( بِالْوَصِيدِ ) قَالَ : بِالْفِنَاءِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يُمْسِكُ بَابَ الْكَهْفِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ يَقُولُ : بِفِنَاءِ الْكَهْفِ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ( بِالْوَصِيدِ ) قَالَ : بِفِنَاءِ الْكَهْفِ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ( بِالْوَصِيدِ ) قَالَ : يَعْنِي بِالْفِنَاءِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْوَصِيدُ : الصَّعِيدُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ يَعْنِي فِنَاءَهُمْ ، وَيُقَالُ : الْوَصِيدُ : الصَّعِيدُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ هَارُونَ ، عَنْ عَنْتَرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قَالَ : الْوَصِيدُ : الصَّعِيدُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، فِي قَوْلِهِ : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قَالَ : الْوَصِيدُ : الصَّعِيدُ ، التُّرَابُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْوَصِيدُ الْبَابُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ شَبِيبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قَالَ : بِالْبَابِ ، وَقَالُوا بِالْفِنَاءِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْوَصِيدُ : الْبَابُ ، أَوْ فِنَاءُ الْبَابِ حَيْثُ يُغْلَقُ الْبَابُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَابَ يُوصَدُ ، وَإِيصَادُهُ : إِطْبَاقُهُ وَإِغْلَاقُهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾ وَفِيهِ لُغَتَانِ : الْأَصِيدُ ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ نَجْدٍ ، وَالْوَصِيدُ : وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ تِهَامَةَ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، قَالَ : إِنَّهَا لُغَةُ أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ : وَرَخْتُ الْكِتَابَ وَأَرَخْتُهُ ، وَوَكَدْتُ الْأَمْرَ وَأَكَّدْتُهُ ، فَمَنْ قَالَ الْوَصِيدَ ، قَالَ : أَوْصَدْتُ الْبَابَ فَأَنَا أُوصِدُهُ ، وَهُوَ مُوصَدٌ ، وَمَنْ قَالَ الْأَصِيدُ ، قَالَ : آصَدْتُ الْبَابَ فَهُوَ مُؤْصَدٌ ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِفِنَاءِ كَهْفِهِمْ عِنْدَ الْبَابِ ، يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ بَابَهُ .
وَقَوْلُهُ : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا يَقُولُ : لَوِ اطَّلَعَتْ عَلَيْهِمْ فِي رَقْدَتِهِمُ الَّتِي رَقَّدُوهَا فِي كَهْفِهِمْ ، لَأَدْبَرْتَ عَنْهُمْ هَارِبًا مِنْهُمْ فَارًّا ، وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا يَقُولُ : وَلَمُلِئَتْ نَفْسُكَ مِنِ اطِّلَاعِكَ عَلَيْهِمْ فَزَعًا ، لِمَا كَانَ اللَّهُ أَلْبَسَهُمْ مِنَ الْهَيْبَةِ ، كَيْ لَا يَصِلَ إِلَيْهِمْ وَاصِلٌ ، وَلَا تَلْمَسُهُمْ يَدُ لَامَسٍ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ فِيهِمْ أَجْلَهُ ، وَتُوقِظَهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ قُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُمْ عِبْرَةً لِمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَآيَةً لِمَنْ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ بِهِمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ : ( وَلَمُلِّئْتَ ) بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَمْتَلِئُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ : ( وَلَمُلِئْتَ ) بِالتَّخْفِيفِ ، بِمَعْنَى : لَمُلِئَتْ مَرَّةً ، وَهُمَا عِنْدَنَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي الْقِرَاءَةِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .