الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ . . . "
) ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾( 23 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : سَيَقُولُ بَعْضُ الْخَائِضِينَ فِي أَمْرِ الْفِتْيَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، هُمْ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : هُمْ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ : يَقُولُ : قَذْفًا بِالظَّنِّ غَيْرَ يَقِينِ عِلْمٍ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَأَجْعَلُ مِنِّي الْحَقَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ : أَيْ قَذْفًا بِالْغَيْبِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : رَجْمًا بِالْغَيْبِ قَالَ : قَذْفًا بِالظَّنِّ .
وَقَوْلُهُ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ يَقُولُ : وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : هُمْ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ . قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَائِلِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي عَدَدِ الْفِتْيَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ رَجْمًا مِنْهُمْ بِالْغَيْبِ : رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ يَقُولُ : مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلا قَلِيلٌ مِنْ خَلْقِهِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ يَقُولُ : قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِالْقَلِيلِ : أَهْلَ الْكِتَابِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ قَالَ : يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَنَا مِمَّنِ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ ، وَيَقُولُ : عِدَّتُهُمْ سَبْعَةٌ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ قَالَ : أَنَا مِنَ الْقَلِيلِ ، كَانُوا سَبْعَةً .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : أَنَا مِنْ أُولَئِكَ الْقَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ ، كَانُوا سَبْعَةً وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عِدَّتُهُمْ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ، وَأَنَا مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَنَا مِنَ الْقَلِيلِ ، هُمْ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ .
وَقَوْلُهُ : فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تُمَارِ يَا مُحَمَّدُ : يَقُولُ : لَا تُجَادِلْ أَهْلَ الْكِتَابِ فِيهِمْ ، يَعْنِي فِي عِدَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ ، وَحُذِفَتِ الْعِدَّةُ اكْتِفَاءً بِذِكْرِهِمْ فِيهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِالْمُرَادِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : فَلا تُمَارِ فِيهِمْ قَالَ : لَا تُمَارِ فِي عِدَّتِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمِرَاءِ الظَّاهِرِ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أُبِيحُ لَهُ أَنْ يَتْلُوَهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يُمَارِيهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا يَقُولُ : حَسْبُكَ مَا قَصَصْتُ عَلَيْكَ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا يَقُولُ : إِلَّا بِمَا قَدْ أَظْهَرْنَا لَكَ مِنْ أَمْرِهِمْ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا : أَيْ حَسْبُكَ مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِهِمْ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ قَالَ : حَسْبُكَ مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِهِمْ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا يَقُولُ : حَسْبُكَ مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْمِرَاءُ الظَّاهِرُ هُوَ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا قَالَ : أَنْ يَقُولَ لَهُمْ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ، لَيْسَ تَعْلَمُونَ عِدَّتَهُمْ إِنْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا فَقُلْ لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ عِدَّتَهُمْ ، وَقَرَأَ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ حَتَّى بَلَغَ رَجْمًا بِالْغَيْبِ . وَقَوْلُهُ : وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَا تَسْتَفْتِ فِي عِدَّةِ الْفِتْيَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ مِنْهُمْ ، يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدًا ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ عِدَّتَهُمْ ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِيهِمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ، لَا يَقِينًا مِنَ الْقَوْلِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا مِنْ يَهُودَ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا : مِنْ يَهُودَ ، قَالَ : وَلَا تَسْأَلْ يَهُودَ عَنْ أَمْرِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، إِلَّا مَا قَدْ أَخْبَرْتُكَ مِنْ أَمْرِهِمْ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُمْ كَانُوا بُنِيَ الرُّكْنَا وَالرُّكْنَا : مُلُوكُ الرُّومِ ، رَزَقَهُمُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ ، فَتَفَرَّدُوا بِدِينِهِمْ ، وَاعْتَزَلُوا قَوْمَهُمْ ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أَصَمِخَتِهِمْ ، فَلَبِثُوا دَهْرًا طَوِيلًا حَتَّى هَلَكَتْ أُمَّتُهُمْ وَجَاءَتْ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ بَعْدَهُمْ ، وَكَانَ مَلِكُهُمْ مُسْلِمًا .